القاعدة الثالثة :
الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرّم حلالاً ، أو أحلّ حراماً(١):
معنى القاعدة :
تشير القاعدة إلى أن الصلح الذي هو عقد يرفع النزاع ، ويقطع التخاصم بالتراضي(٢)، مشروع بين المسلمين ؛ لأن في الإصلاح بين الخصوم ما يزيل الضغائن والأحقاد ، ويؤلف بين القلوب ، ويبعث على التسامح بينهم (٣) ، بخلاف القضاء الذي قد يورث الضغينة ، ويقطع الأرحام ، ويوسع دائرة الخلاف بين المتخاصمين ،ومن هنا فعلى القاضي أن ينصح الخصوم، ويرغبهم في الصلح ، شريطة ألا يحل الصلح حراماً ، أو يحرم حلالاً.
وأصل هذه القاعدة قوله : " الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً "(٤)، بالإضافة إلى النصوص الأخرى من القرآن والسنة والإجماع والآثار المروية عن بعض الصحابة والمعقول التي تدل على مشروعية الصلح بصورة عامة وفيما يلي بيان لأهمها :
أولاً : القران الكريم :
١- بقوله تعالى: "وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌّ "(٥).
وجه الدلالةَ : أن الله سبحانه وتعالى ندب إلى الصلح بين الزوجين عند وقوع التنازع بينهما ، ووصف ذلك الصلح بأنه خير ، وهذا دليل النهاية في الخيرية (٦).
(١) ابن القيم ، أعلام الموقعين، ج١، ص ٨٤ ، البجنوردي، محمد حسن، (١٣٧٧هـ)، القواعد الفقهية، ط٧،١م، (تحقيق: مهدي المهريزي / محمد الدريني)، مطبعة الهادي ، ، ج٥، ص٩ ، الحريري ، القواعد والضوابط الفقهية، ص ١٤٧ ، إسماعيل ، القواعد الفقهية ، ص١٩٨ .
(٢) علي حيدر، درر الحكام، ج٤، ص٧ ، الحموي ، غمز عيون البصائر، ج٣، ص٧٢ .
(٣) الحريري ، القواعد والضوابط الفقهية ، ص ١٥٤ ، ويقول الدردير : " لأن القضاء أمر يوجب الشحناء والتفرق ، بخلاف الصلح فإنه أقرب لجمع الخواطر، وتأليف النفوس المطلوب شرعاً" ، الدردير ، الشرح الكبير ، ج٤ ، ص ١٥٢ .
(٤) الترمذي ، سنن الترمذي ، كتاب الأحكام ، باب الصلح بين الناس ، وقال : حديث حسن صحيح ، ج٣ ، ص ٦٣٤، ابن حبان ، صحيح ابن حبان ، ج١١، ص٤٨٨ ، الحاكم ، المستدرك على الصحيحين ، وقال : حديث صحيح ، ج٤، ص ١١٣ ، الحديث صحيح ، واللفظ لهم .
(٥) سورة النساء، آية (١٢٨).
(٦) السرخسي ، المبسوط ، ج١٦ ، ص ٦١ .