تعاطي المحرم كما لو زنوا ظاهراً واحداً بعد واحد (١).
أما الوجه الرابع فيمكن أن يرد عليه : بأن هذا نتيجة لقولكم إذ لو قلتم بعدم نفاذ الحكم باطناً لمن جاء ببينة زور لما منح ذريعة أنها زوجته ، ولبقي الأمر على ما كان عليه سابقاً من حيث أنه لا يحل له وطؤها ، ولا يحل لها تمكينه من ذلك ، وعليه فإنها زوجة من كان كذلك حقيقة ثابتة بالبيئة الصادقة ، والله أعلم.
ثانياً : مناقشة أبي حنيفة ومن معه لأدلة الجمهور :
١- بالنسبة للاستدلال بالآية: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ قالوا: بأنها تدل على عدم نفاذ الحكم ظاهراً وباطناً في الأملاك المرسلة ، وهذا ليس موضع خلاف بيننا وبينكم ، وذلك لأن القاضي ليس له ولاية الإنشاء فيها بخلاف العقود والفسوخ ، فلا وجه للاستدلال بها (٢).
ولكن يجاب عن هذا بأنه إذا كان حكم الحاكم لا ينفذ باطناً إذا كان مبنياً على بينة زور في الأملاك المرسلة ، فإن حكم الحاكم لا ينفذ في العقود والفسوخ وخاصة الزواج والطلاق من باب أولى لأن العلماء قد اجمعوا على أنه يحتاط في الأبضاع أكثر من الاحتياط في الأموال.
٢- أما بالنسبة للاستدلال بحديث: ( إنما أنا بشر ) فيرد عليه من وجهين :
الأول : أنه خاص في الأملاك المرسلة ، وعليه فإنه خارج محل النزاع.
ويجاب عن هذا بالإضافة إلى ما قلناه في الرد آنفاً ،أن هذا الحديث جاء بلفظ العموم ولذلك لا يجوز تخصيصه بالأموال دون غيرها ، كما لا يجوز قصره على سببه إذ العبرة بعموم اللفظ ، لا بخصوص السبب (٣).
الثاني : قالوا بأن هذا الحديث مخصوص بسماع كلام الخصم، حيث لا بينة هناك ولا يمين، وليس النزاع فيه ، وإنما النزاع في الحكم المترتب على الشهادة (٤).
ويجاب عن هذا : بأن حمل الحديث على ما يتعلق بسماع كلام الخصم ، حيث لا بينة ولا يمين خلاف الظاهر (٥) ؛ وذلك لأن قوله عليه الصلاة والسلام: ( إنما أنا بشر ) وقوله: (فمن قضيت له ) يفيد العموم في كل ما قضى به النبي ﷺ ولا شك أن قضاءه عليه الصلاة.
(١) ابن حجر العسقلاني ، فتح الباري ، ج١٣، ص ١٧٦ .
(٢) السرخسي ، المبسوط ، ج١٦، ص ١٨١.
(٣) أبو البصل ، نظرية الحكم القضائي ، ص٤٣٨ .
(٤) ابن حجر العسقلاني ، فتح الباري ، ج١٣، ص ١٧٥ .
(٥) السرخسي ، المبسوط ، ج١٦ ، ص ١٨١ .