على أن حكمة كافٍ في الاحتياط لكل ذلك ، وأنه قام مقام العقد والإنشاء (١) .
٣- استدلوا بالمعقول من وجوه :
١- قضاء القاضي بما يحتمل الإنشاء إنشاءٌ له فينفذ ظاهراً، وباطناً كما لو أنشأ صريحاً، ذلك أن القاضي مأمور بالقضاء بالحق ، ولا يقع قضاؤه بالحق فيما يحتمل الإنشاء إلا بالحمل على الإنشاء ؛ لأن البينة قد تكون صادقة ، وقد تكون كاذبة (٢) ، فإن كانت صادقة رفع قضاؤه بالحق من غير حمله على الإنشاء ، وإن كانت كاذبة تعين الحمل عليه ، ضرورة تصحيح قضائه المأمور به ، لأن صيانة الحكم عن الإبطال مطلوبة (٣) .
٢- الغاية من القضاء قطع المنازعة بين الخصوم ، ولو قلنا بعدم نفاذ حكم القاضي في باطن الأمر، لما أدى القضاء وظيفته وغايته ، ولما كان قاطعاً للخصومة ، وحاسماً للنزاع من كل وجه (٤) .
٣- القضاء لو لم ينفذ باطناً ، لأدى ذلك إلى فحش تجل أحكام الشرع عن أن يؤدي تطبيقها إلى مثله ، ومن ذلك أنه قد يجتمع رجلان على امرأة واحدة أحدهما بنكاح ظاهر ، والآخر بنكاح باطن ، ففي ذلك من القبح ما لا يخفى والدين مصون عن مثل هذا القبح ولا يكون القاضي بقضائه ممكناً من الزنا (٥) ، فلا بد إذن من القول بنفاد الحكم ظاهراً وباطناً خروجاً من أن نقع بمثل هذا.
٤- المرأة تضرر من القول بعدم النفاذ باطناً ، ذلك أنها تبقى معلقة لا ذات بعل ولا مطلقة ، إذ هي لا تحل للأول ولا للثاني (٦)، وليس لها أن تتزوج بزوج أخر (٧) ، فلا بد من القول بنفاذ الحكم ظاهراً وباطناً لدفع الضرر عنها .
المناقشة والترجيح :
أولاً : مناقشة الجمهور لأدلة أبي حنيفة ومن معه :
(١) ياسين ، نظرية الدعوى ، ص ٦٨٢ .
(٢) الكاساني ، بدائع الصنائع ، ج٥ ، ص٤٥٩ .
(٣) ياسين، نظرية الدعوى ، ص ٦٨٣.
(٤) ابن نجيم ، البحر الرائق ، ج٧ ، ص١٤ ، ياسين نظرية الدعوى ، ص ٦٨٤ .
(٥) السرخسي ، المبسوط، ج١٦، ص ١٨٢ ، ابن حجر، فتح الباري، ج١٣، ص ١٧٦ .
(٦) لا تحل للأول ظاهراً لوجود الحكم بالتفريق ، كما لا تحل للثاني باطناً، ولا يحل لها تمكينه ، ولا تستطيع الزواج من أخر؛ لأنها ما تزال زوجة الأول باطناً ، أبو البصل ، نظرية الحكم القضائي ، ص٤٣٨ .
(٧) السرخسي ، المبسوط ، ج١٦، ص ١٨٤ .