الكبائر ، وحقيقة الشهادة إظهار الحق، وحقيقة الحكم إنفاذ ذلك، وإذا كان الشهود كذبة لم تكن شهادتهم حقاً (١)، وما بني على باطل فهو باطل.
الثاني : القضاء والحكم ينفذ بقدر مقدار الحجة، وشهادة الزور وإن كانت حجة في الظاهر إلا أنها ليست حجة في الباطن (٢)، وعليه فالقضاء ينفذ من حيث الظاهر، وأما الباطن فيبقى على ما هو عليه، ولا يغير من حقيقته شيء.
ثانياً: أدلة أصحاب القول الثاني
استدلوا بأن الرسول ﷺ فرق بين المتلاعنين مع تيقنه عليه الصلاة والسلام بكذب أحدهما (٣) كما قال: "الله يعلم أن أحدكما كاذب" (٤).
وجه الدلالة : أن الرسول ﷺ قد فرق بينهما مع احتمال صدق الزوج فيما رماها به، فلذلك يثبت للقاضي ولاية الإنشاء مع كذب الشهود، لتوجه الأمر على القاضي، وتوجه الأمر بالانقياد واتباع أمر القاضي في حق الناس (٥).
بما روي أن رجلاً خطب امرأة فأبت أن تتزوجه، فادعى أنه تزوجها، وأقام شاهدين فأنكرت فاختصما إلى الإمام علي، فقضى بينهما بالزوجية، فقالت: والله ما تزوجني يا أمير المؤمنين، اعقد بيننا حتى أحل له فقال: "شاهداك زوجاك" (٦).
وجه الدلالة : قول الإمام علي: شاهداك زوجاك، ورفضه تجديد النكاح مع طلبها له، دليل على أن النكاح قد انعقد بينهما في الباطن، وإلا لما امتنع من تجديد العقد عند طلبها، ورغبة الزوج فيها، وقد كان في ذلك تحصيناً من الزنا (٧)، وإبعاداً لأي احتمال لوقوعهما في الحرام، وهو أكثر الناس حرصاً على دفع المنكر والحيلولة دون وقوعه، فلما لم يفعل ذلك دل
(١) ابن حجر العسقلاني، ج١٣، ص ١٧٦.
(٢) المرجع السابق، البهوتي، شرح منتهى الإرادات، ج٣، ص ٥٣٤.
(٣) السرخسي، المبسوط، ج١٦، ص ١٨٣.
(٤) البخاري، صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب ويدرأ عنها العذاب، ج٢، ص ١٧٧٢، مسلم، صحيح مسلم، كتاب اللعان، ج٢، ص ١١٣٢، اللفظ لهم.
(٥) السرخسي، المبسوط، ج١٦، ص ١٨٣.
(٦) ابن الجوزي، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي، (ت٥٩٧ هـ /١١٩٩م)، التحقيق في أحاديث الخلاف، ط١، ٢°م، (تحقيق: مسعد السعدني)، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٥ هـ، ج٢، ص ٣٨٥.
(٧) ابن عابدين، حاشية رد المحتار، ج٥، ص ٤٠٦.