وليس عليه فيه بينة ،فيجحد المال ، فيخاصمهم إلى الحكام ، وهو يعلم أنه أثم ، آكل حراما(١) .
٢- فأما السنة فقد استدلوا بما يلي:
أ- قوله : " إنما أنا بشر وأنه يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صادق، فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو ليتركها "(٢).
فالحديث صريح في أن حكم الحاكم، إنما يكون على وفق ما يسمع وما يقدم له من بينة وأن حكمه هذا لا يحل حراماً ولا يغير الشيء عن حقيقته التي يعلمها المحكوم له، ولذا حذر النبي ﷺ المحكوم له من أن يأخذ ما ليس له، بحجة حكم الحاكم؛ لأنها كما أخبر النبي ﷺ تكون قطعة من نار، ولذا قال ابن حجر العسقلاني: " أن من احتال لأمر باطل، بوجه من وجوه الحيل، حتى يصير حقاً في الظاهر، ويحكم له به أنه لا يحل له تناوله في الباطن، ولا يرتفع عنه الإثم في الحكم " (٣).
ب - روى البخاري عن عائشة - رضي الله عنها - : أنها قالت: " كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص، أن ابن وليدة زمعة مني فاقبضه إليك، قالت: فلما كان عام الفتح أخذه سعد بن أبي وقاص وقال: ابن أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه، فتساوقا إلى النبي ﷺ فقال سعد يا رسول الله: ابن أخي كان قد عهد إليّ فيه فقال: عبد بن زمعة أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه، فقال رسول الله ﷺ: هو لك يا عبد بن زمعة، ثم قال النبي ﷺ: الولد للفراش وللعاهر الحجر، ثم قال لسودة بنت زمعة زوج النبي ﷺ: احتجبي منه لما رأى من شبهه بعتبة، فما رآها حتى لقي الله تعالى " (٤).
وجه الدلالة : أن الرسول ﷺ حكم بالولد لعبد بن زمعة عملاً بالظاهر، وإن كان في نفس الأمر ليس من زمعة (٥)، ولهذا أمر النبي ﷺ سودة بنت زمعة بالاحتجاب من الولد المحكوم به
(١) ولذا جاءت الآية (وأنتم تعلمون) أي وأنتم تتعمدون أكل ذلك بالإثم على قصد منكم إلى ما حرم الله عليكم منه، ومعرفة بأن فعلكم ذلك معصية وإثم، الطبري، جامع البيان، ج٢، ص ٢٢٠.
(٢) سبق تخريجه، انظر: ص ٢٦٣ من هذه الأطروحة.
(٣) ابن حجر العسقلاني، ج١٣، ص ١٧٢، ولذا بوّب البخاري لهذا الحديث بقوله: باب من قضي له بحق أخيه فلا يأخذه، فإن قضاء الحاكم لا يحل حراماً، ولا يحرم حلالاً، البخاري، صحيح البخاري، ج٦، ص٢٦٢٦.
(٤) البخاري، صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب الولد للفراش، ج٦، ص ٢٤٨١، مسلم، صحيح مسلم، كتاب الرضاع، باب الولد للفراش، ج٢، ص ١٠٨٠، اللفظ للبخاري.
(٥) ابن حجر، فتح الباري، ج١٣، ص ١٧٥.