الثاني : إذا كان المجتهد يعتقد الحرمة ، وحكم القاضي بالحل ، فقد اختلف فقهاء الحنفية على قولين:
الأول : يرى أن على المجتهد أن يترك رأيه ، ويتبع حكم الحاكم الذي ينفذ ظاهراً وباطناً ، وبه قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله (١).
الثاني : يرى أن على المجتهد أن لا يترك رأي نفسه ، ولا يتبع حكم الحاكم فيما يعتقد أنه حرام، وعليه فإن حكم الحاكم في حقه ينفذ ظاهراً لا باطناً وبه قال أبو يوسف رحمه الله (٢).
والذي أرجحه هنا ما ذهب إليه أصحاب الرأي الأول ، وذلك لأن حكم الحاكم في المجتهدات يرفع الخلاف ، ولا فرق في ذلك بين عامي ومجتهد، أما الرأي الثاني الذي يستند على أساس أن المجتهد يجب أن يتبع رأي نفسه ولا يتبع رأي القاضي وهو ممتنع بحقه ، فأقول إن هذا يصح إذا ترك رأيه ، وأخذ برأي مجتهد أخر ، أما هنا فإن الرأي الثاني قد تعلق به حكم الحاكم ، وهو يرفع الخلاف.
من الأمثلة على القاعدة :
١- لو حكم قاض حنفي ببطلان خيار المجلس ، أو منع القصاص في القتل بالمثقل،أو بصحة النكاح بلا ولي ... ثم عرض قضاؤه على قاض أخر لا يرى صحة هذه الاجتهادات الفقهية فليس له أن ينقض هذه الأحكام ، ولو نقضها لكان نقضه لها مستحقاً للنقض لو عرض على قاض أخر (٣).
٢- لو حكم قاض ببطلان شهادة الشاهد ، لم يكن للطالب إقامة الشاهد بعد ذلك ؛ لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف (٤).
(١) وحجة هذا القول : إنه قضاء وقع الاتفاق على جوازه لوقوعه في فصل مجتهد فيه فينفذ على المقضي له وعليه ، لا فرق في ذلك بين عامي ومجتهد ، ثم إن القاضي يحكم بأمر الشرع ، وما يصبح مضافاً إلى الشرع فهو بمنزلة النص ، ولا يترك بالرأي كما لا يصار إلى الاجتهاد مع وجوب النص ، نظام ، الفتاوى الهندية ، ج٣ ، ص٣٣٦ ، الكاساني ، بدائع الصنائع ، ج٥ ، ص ٤٤٥.
(٢) وحجة هذا القول : أن صحة القضاء إنفاذه في محل الاجتهاد ، و يظهر أثره في حق المقضي عليه لا في حق المقضي له ؛ لأن المقضي عليه مجبور في القضاء عليه ، فأما المقضي له فمختار في القضاء له ، فلو اتبع أي قاض إنما يتبعه تقليداً ، وكونه مجتهداً يمنع من التقليد فيجب العمل برأي نفسه ، الكاساني ، بدائع الصنائع ج٥ ، ص ٤٤٥، وبه قال بعض الشافعية كأبي إسحاق الإسفرايني ، ابن أبي الدم ، أدب القضاء ، ص١٦٩.
(٣) السيوطي ، الأشباه والنظائر، ج١، ص٢٢٧.
(٤) الدسوقي ، حاشية الدسوقي ، ج ٤ ، ص ١٤٧.