عن الشرع وعامل لمصالح الأمة وقد تقرر سابقاً أن الغرم بالغنم، فكما أن القاضي يقضي لمنفعة الأمة، فالأمة تتحمل تبعات اجتهاده إذا أخطأ ما لم يكن متعمداً، والله أعلم.
شروط سقوط الضمان عن القاضي :
حتى يسقط الضمان عن القاضي، لا بد من مراعاة الأمور التالية (١):
أن يكون القاضي أهلاً للاجتهاد.
أن لا يكون القاضي متعمداً الخطأ في حكمه.
أن لا يخالف القاضي دليلاً قاطعاً لا يحتمل التأويل.
أن لا يقصر القاضي في عمله، كأن لا يتحقق من عدالة الشهود، أو سلامة المستند من التزوير.
فإذا تحققت الشروط السابقة فلا ضمان على القاضي إذا أخطأ (٢)، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل تذهب حقوق الناس بحجة أن لا ضمان على القاضي؟
للإجابة عن هذا التساؤل يجب أن يفرق بين أمرين (٣):
الأول : إذا كان خطأ القاضي يتعلق بحق الله، كما لو قضى في حد السرقة أو الزنا، وغير ذلك، ثم ظهر بعد القضاء أن الشهود كانوا كفاراً، ففي هذه الحالة يكون التعويض للمتضرر من بيت مال المسلمين؛ لأن القاضي إنما يعمل في حقوق الله عز وجل لصالح جماعة المسلمين، فيكون الضمان على المسلمين في بيت مالهم.
الثاني : إذا كان خطأ القاضي يتعلق بحق العبد: فإذا كان الخطأ يمكن تداركه ودرءه، كما لو قضى بمال، أو أرض، أو طلاق، ثم ظهر أن الشهود كانوا عبيداً فهنا يصحح الوضع كما كان
(١) وفي ذلك يقول البهوتي: "إن بان خطأ القاضي في حكمه في إتلاف، بمخالفة دليل قاطع لا يحتمل التأويل، أو بان خطأ مفتٍ ليس أهلاً للفتيا بإتلاف، كقتل في شئ ظناه ردة، أو قطع في سرقة لا قطع فيها ...، فمات ضمنا، أي الحاكم والمفتي ما تلف بسببهما كما لو باشراه"، البهوتي، شرح منتهى الإرادات، ج٣، ص٥٣٦، ويقول ابن قدامة: "إن تبين فسق المزكيين، فالضمان على الحاكم، لأن التفريط منه، حيث قبل شهادة فاسق من غير تزكية، ولا بحث فيلزمه الضمان"، ابن قدامة، المغني، ج١٠، ص٢٣١.
(٢) السمناني، روضة القضاة، ج١، ص ١٥٤، يقول الكاساني: "لأنه بالقضاء لم يعمل لنفسه، بل لغيره فكان بمنزلة الرسول فلا تلحقه العهدة"، بدائع الصنائع، ج٥، ص ٤٥٩، ابن فرحون، تبصرة الحكام ج١، ص٦٧، النووي، روضة الطالبين، ج١١، ص ١٥١، البهوتي، شرح منتهى الإرادات، ج٣، ص٥٣٦، الكويت الموسوعة الفقهية، ج٣٣، ص ٥٣٦.
(٣) الشيخ نظام، الفتاوى الهندية، ج٦، ص ٣٢٥، الحسام الشهيد، شرح أدب القاضي، ص ٣٢٥، الكاساني، بدائع الصنائع، ج٥، ص٤٥٩، ياسين، حجية الحكم القضائي، ص ٣١.