والراجح - والله أعلم - أن لولي الأمر إجبار من تعين عليه القضاء ، ولا يوجد غيره، حتى تصان حقوق الناس من الضياع ، ويتولى مثل هذا المنصب الرفيع الخطير ، من هو أهل لذلك(١).
إذا تقرر هذا فإن إشكالية تحدث هنا ، لا بد من توضيحها ، وهي كما قال النووي - رحمه الله -: " فإن قيل : امتناعه من هذا الواجب المتعين المتعلق بالمصالح العامة ، ويشبه أن يكون كبيرة فيفسق به ، ويخرج عن الأهلية ، فكيف يولى ويجبر ؟!
وهذه الإشكالية قد أجاب عنها النووي - رحمه الله - بقوله : "فالجواب أنه يمكن أن يقال: أنه يؤمر بالتوبة أولاً فإذا تاب ولي ، قلت ( أي النووي ) ،وينبغي أن يقال : لا يفسق ؛ لأنه لا يمتنع غالباً إلا متأولاً ، وهذا ليس بعاص قطعاً ، وإن كان مخطئاً(٢) .
من الأمثلة على القاعدة :
١- ما فعله عمر بن الخطاب ، حيث عيّن القضاة في مختلف الولايات الإسلامية ، فولى أبا الدرداء قضاء المدينة ، وولى شريحاً بن الحارث الكندي قضاء الكوفة ، وولى أبا موسى الأشعري قضاء البصرة(٣) .
٢- ما نشاهده اليوم من انتشار المحاكم الشرعية في مختلف مناطق المملكة .
(١) الندوي ، القواعد الفقهية ، ص ٣٠٢ .
(٢) النووي ، روضة الطالبين، ج١١ ، ص ٩٢ .
(٣) وولى عثمان بن قيس بن أبي العاص السهمي قضاء مصر ، وجعل قضاء الشام مستقلاً ، وكان على رأسه الوالي العام أبو عبيده بن الجراح ، وقد سن عمر لهؤلاء القضاة دستوراً يسيرون على هديه في الأحكام ، وعلمهم كيف يقضون ، وزودهم بوصاياه القائمة على مبدأ : "العدل أساس الحكم" ، وتعتبر كتبه الموجة إلى القضاة في مجملها دستوراً في القضاء في الإسلام الذي يصلح لكل زمان ومكان ، مجدلاوي ، فاروق محمد ، (١٩٩٨م)، الإدارة الإسلامية في عهد عمر بن الخطاب، ط٢، ١م، روائع مجدلاوي ، الأردن ، لبنان، قطر، ص٢٣٦، قلعه جي، محمد رواس، (١٩٨٤م)، موسوعة فقه عمر بن الخطاب، ط٢، ١م، مكتبة الفلاح ، الكويت ، ص ٥٦١ .