أما كونه فرض كفاية فذلك لأنه أمر بالمعروف أو نهي عن المنكر، وهما على الكفاية(١)، كما أن النبي ﷺ اكتفى بإرسال واحد من الصحابة ليتولى القضاء في البلد الواحد، وكذا فعل أصحابه رضي الله عنهم جميعا، فدل ذلك على أن القضاء فرض كفاية، ولو كان فرض عين لما اكتفى عليه الصلاة والسلام بواحد(٢).
وقد اتفق الفقهاء على أنه يجب على من تعين عليه القضاء - بحيث لا يوجد غيره لشغل هذا المنصب - أن يتولى القضاء؛ لأن القضاء في حقه أصبح فرض عين، ولو امتنع عن القبول أثم كما هو الأمر في سائر فروض الأعيان(٣)، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل يملك الإمام إجباره على تولي منصب القضاء؟!
القول الأول : يرى أن الإمام يجبره على ذلك، ولو أدى ذلك إلى ضربه وحبسه، وذلك لأن الناس مضطرون إلى علمه ونظره ولا يوجد غيره(٤)، وفي ذلك يقول الماوردي - رحمه الله-: "فإن امتنع هذا المنفرد بشروط القضاء من الإجابة إليه أجبره الإمام، لتعين فرضه عليه، ومن تعين عليه فرض أخذ به جبراً"(٥)، وبه قال المالكية(٦) وجمهور الحنفية(٧)، والشافعية(٨).
القول الثاني : يرى أن الإمام لا يجبره على ذلك، وبه قال بعض الحنفية، والشافعية(٩).
(١) الشربيني، مغني المحتاج، ج٤، ص٣٧١، الكويت، الموسوعة الفقهية، ج٣٣، ص٢٨٥.
(٢) الشربيني، مغني المحتاج، ج٤، ص٣٧٢، ياسين، نظرية الدعوى، ص٥٣.
(٣) المراجع السابقة، الكاساني، بدائع الصنائع، ج٥، ص٤٤١، النووي، المجموع، ج٢٢، ص٢١٩.
(٤) الشربيني، مغني المحتاج، ج٤، ص٣٧١.
(٥) الماوردي، الحاوي، ج٢٠، ص٦٠.
(٦) فقد سئل الإمام مالك رضي الله عنه: أيجبر الرجل على ولاية القضاء؟ قال: نعم إذا لم يوجد منه عوض وقيل له: أيجبر بالضرب والحبس؟ قال: نعم"، ابن فرحون، تبصرة الحكام، ج١، ص٩، "بخلاف ما لو عينه الإمام، فإنه لا يتعين عليه بتعين الإمام له، بخلاف غيره من فروض الكفاية كالجهاد - أي أنه وجد غيره - ولكن الإمام اختاره لهذا المنصب فلا يتعين عليه، وله الهرب لخطورة هذا المنصب"، التسولي، علي بن عبد السلام (ت ١٢٥٨هـ/١٨٥٨م)، البهجة في شرح التحفة، ط١، ٢م، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٩٨م، ج١، ص٢٩.
(٧) قال ابن عابدين: "لو تعين عليه هل يجبر على القبول لو امتنع؟ الظاهر نعم" حاشية رد المحتار، ج٥، ص٣٦٨.
(٨) قال ابن الوكيل: "والصحيح أنه يجبر"، الأشباه والنظائر، ص٢٣، قال النووي: "هل يجبر؟ وجهان الصحيح نعم، وبه قال الأكثر ون"، روضة الطالبين، ج١١، ص٩٣.
(٩) الموصلي، الاختيار لتعليل المختار، ج٢، ص٨٤، الأسيوطي، جواهر العقود، ص٥٥٩.