موقف القضاء الشرعي الأردني :
يطبق القضاء الشرعي الأردني هذه القاعدة على أحكامه، ولذا فإنه يعتبر الأحكام الصادرة من المحاكم الشرعية مرعية، أي أنها تكتسب حجية الحكم القضائي ما لم تفسخ من محكمة الاستئناف الشرعية(١)، ولذا فإنه لا يجوز لأي قاض في المحاكم البدائية الشرعية، أن ينقض هذا الحكم، أو يغيره، وذلك لأن الحكم إذا أصدره القاضي فإنه يخرج من ولاية المحكمة التي أصدرته فلا يحق له أن يغير أو يبدل فيه(٢)، فغيره من باب أولى لأن الاجتهاد لا ينقض بمثله.
إذا تقرر هذا، فإن إشكالية هنا لا بد من بحثها، وتسليط الضوء عليها وهي: عمل محكمة الاستئناف الشرعية، إذ كيف يمكن التوفيق بين أن القضاء الشرعي الأردني يأخذ بقاعدة الاجتهاد لا ينقض بمثله، وعمل محكمة الاستئناف الشرعية التي ربما تنقض بعض الأحكام التي صدرت من المحاكم الشرعية البدائية؟ للإجابة عن هذه الإشكالية أقول:
أولاً: لقد أشرت فيما سبق(٣)، أن محكمة الاستئناف الشرعية إنما هي محكمة رقابة على تطبيق القانون، والأحكام الشرعية، بالنسبة للقضايا التي تنظرها المحاكم الابتدائية الشرعية، ولا تنظر القضايا مرافعة إلا في بعض الحالات التي نص عليها القانون(٤).
ثانياً: أن القاضي في المحكمة الشرعية الابتدائية، مقيد بتطبيق القانون، والأحكام الشرعية الواجبة التطبيق، وبالتالي فهو يعمل على تطبيق القانون على المسألة المعروضة عليه، ولا يجتهد في مورد النص وإنما يجتهد في مهمة تطبيقه.
ثالثاً: إن احتمال وقوع الخطأ من بني البشر موجود بالفعل، والقضاة بشر يصيبون ويخطئون، خاصة في زماننا الذي أصبح القاضي فيه مقلداً لا مجتهداً، ولذا فعرض القضية على محكمة الاستئناف، ذات عدد أكبر من القضاة ذوي الخبرة الواسعة في مجال القضاء فيه مصلحة راجحة، تؤيدها الأدلة الشرعية، وتدعمها مقاصد الشريعة بل أن مقاصد الشريعة تحث على كل أمر فيه تحقيق العدالة وإيصال الحقوق إلى أصحابها.
(١) قانون أصول المحاكمات الشرعية، المادة (١٠٥) مع مراعاة أحكام المادة (١١٤) من هذا القانون.
(٢) هناك حالات يجوز فيها إجراء تغير أو تبديل في الحكم كالأخطاء النحوية، أو الحسابية وغيرها، وهدان، حسن محمد، (١٩٩٦م)، الأحكام القضائية وطرق الطعن فيها، رسالة ماجستير، الجامعة الأردنية إشراف الدكتور، عارف أبو عيد، ص ١٠٣.
(٣) انظر: ص ١٧٦ من هذه الأطروحة.
(٤) أبو البصل، شرح قانون أصول المحاكمات الشرعية: ص ١١٠.