القاعدة الرابعة :
الاجتهاد(١) لا ينفض بمثله(٢):
معنى القاعدة :
القاضي لو اجتهد في مسألة من المسائل الشرعية المعروضة عليه ، وكانت ضمن الدائرة التي يسمح له بالاجتهاد فيها ، وحكم بموجب ذلك الاجتهاد ثم بدا له رأي أخر، فعدل عن الأول ، في مسألة أخرى ، فلا ينقض اجتهاده الثاني حكمه الناشئ عن اجتهاده الأول ، وكذا الأمر لو حكم مجتهد في مسألة بموجب اجتهاده ، ثم حكم مجتهد ثان في تلك المسألة عينها ، وكان رأي الثاني مخالفاً لرأي واجتهاد الأول ، فلا ينقض الحكم المستند على اجتهاد الأول (٣).
ومستند القاعدة هذه هو إجماع الصحابة . فقد حكم أبو بكر ـه في مسائل ، وخالفه عمر ـه فيها ، ولم ينقض حكمه (٤) ، وحكم عمر ـه في المشتركة بعدم المشاركة ، ثم حكم فيها بالمشاركة ، ولم ينقض قضاءه الأول، بل قال : تلك على ما قضينا وهذه على ما نقضي(٥) .
ويمكن أن يستدل بالمعقول كما قال القرافي - رحمه الله -: " لولا ذلك لما استقرت للحكام قاعدة ولبقيت الخصومات على حالها بعد الحكم ، وبذلك يوجب دوام التشاجر ، والتنازع ، وانتشار الفساد ، ودوام العناد ، وهو مناف للحكمة التي لأجلها نصب الحكام" (٦) .
فالاجتهاد الثاني ليس بأولى من الاجتهاد الأول ، ولذا فيجب على كل مجتهد أن يحترم اجتهاد الآخر ، إذا صدر من أهله وصادف محله ، فلو قضى شافعي مثلاً في حادثة مجتهد فيها
(١) النقض : من نقض الشيء نقضاً إذا نكثه ، ومنه نقض البناء إذا هدمه ، وهو يدل على إفساد ما أبرم ، و تغيره وإبطاله ، ابن فارس ، معجم مقاييس اللغة ، ج٥ ، ص ٤٧٠ .
(٢) ابن نجيم، الأشباه والنظائر، ص ١٠٥، السيوطي، الأشباه والنظائر، ج١، ص ٢٢٥ ، العلائي المجموع المذهب في قواعد المذهب ، ج٢، ص ١٥٦ ، الفاداني ، محمد ياسين (١٩٩٦م)، الفوائد الجنية حاشية المواهب السنية شرح الفرائد البهية في نظم القواعد الفقهية ، ط٢، ٢م ، دار البشائر الإسلامية، بيروت ، ج٢، ص٧ ، هذا وقد وردت هذه القاعدة بصيغ أخرى منها : "الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد أو بمثله "، "الأصل أنه إذا قضى بالاجتهاد لا يفسخ باجتهاد مثله ويفسخ بالنص"، أي أن الاجتهاد وإن كان لا ينقض بمثله فإنه ينقض بالنص ، وغيرها، البورنو، موسوعة القواعد الفقهية ، ج١ ،ص ١٧٥.
(٣) علي حيدر ، درر الحكام، ج١، ص ٣٤، أحمد الزرقا، شرح القواعد الفقهية، ص ١٥٥.
(٤) ابن نجيم، الأشباه والنظائر، ص ١٠٥، السيوطي، الأشباه والنظائر، ج١، ص ٢٢٥ .
(٥) سبق أن أشرت إلى ذلك ، انظر: ص ٩٣ من هذه الأطروحة .
(٦) القرافي ، الفروق ، ج٢، ص ١٨٠ .