يدور بين القاضي وبين من يشاوره ، وبين ما يعزم عليه رأيه(١) لما في هذا من ضمان لتحقيق العدالة واحقاق الحق ، كما أن الانشغال بالمشورة في مجلس القضاء ربما يحول بينه ، وبين فصل القضاء ، وقد يكون سبباً لازدراء الخصوم للقاضي ، فيظنُ أن القاضي لا يعرف حتى يسأل غيره(٢) ، وفي هذا إسقاط لهيبة القاضي من أعين الخصوم ، الأمر الذي ينبغي الاحتراز منه ما أمكن.
و قاعدة المشاورة تتقيد بكل مسألة لم يتضح للقاضي وجه الحكم فيها بنص من كتاب الله ، أو سنة صحيحة ، أو إجماع ، أو قياس جلي ، فلو اتضح للقاضي الأمر وعرف المحق من المبطل ، فعلى القاضي أن يقضي بذلك ولا يشاور(٣)؛ لأن في ذلك تأخير الحق عن صاحبه وهذا لا يصح.
من الأمثلة على القاعدة :
١- ما فعله الصحابة رضي الله عنهم، فقد شاور أبو بكر رضي الله عنه الناس في ميراث الجدة ، وشاور عمر رضي الله عنه في دية الجنين ، وشاور الصحابة في حد الخمر(٤).
٢- إذا ادعى أحد الورثة على مورثه، أنه مجنون لا يحسن التصرف بماله قاصداً بذلك الحجر عليه فعلى القاضي أن يستشير أهل الاختصاص من الأطباء ممن يثق في دينه ، وأمانته قبل أن يصدر حكمه.
= خاصة وهو ما عليه العمل في كثير من القوانين الحديثة ،وذهب بعض الفقهاء إلى القول: بعلنية المشاورة أمام الخصوم فيذكرون ما عندهم إذا سألهم ولا يبتدئون بالاعتراض، والرد على حكمه إلا إذا كان حكماً يجب نقضه، النووي، روضة الطالبين،ج١١، ص ١٤٢، وذكروا أن عثمان رضي الله عنه شاور علياً وطلحة ، والزبير -رضي الله عنهم -بمحضر من الخصوم، ويرد على هذا أن عثمان رضي الله عنه كان يقضي في الصدر الأول للذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخيرية ، ووصفهم بالأمانة، فكان تقدمهم إلى القاضي لاشتباه الأمر عليهم ، فإذا ظهر ذلك انقادوا له ، أما في زماننا فقد فسد الزمان وخان الناس فلا يؤمن إن عرفوا ما يريد القاضي أن يقضي به فيحتالون لدفعه، فلذلك لا يشاور الفقهاء بحضرة الخصوم، ولكنه إذا أراد مشاورتهم ومناظرتهم فعل ذلك بعد ذهاب الخصوم من بين يديه؛ لأنه أحوط ، أو يكتب في رقعة فيدفع إليهم أو يكلمهم بلغة لا يفهمها الخصوم ، الحسام الشهيد ، شرح أدب القاضي ، ص ٧٥ ، الكاساني ، بدائع الصنائع ، ج٥ ص ٤٥٧.
(١) الحسام الشهيد ، شرح أدب القاضي ، ص٧٥ .
(٢) السرخسي ، المبسوط ، ج١٦، ص٦٦ ، ص ٧١ .
(٣) السمناني ، روضة القضاة، ج١، ص ١٠٨، الحسام الشهيد ، شرح أدب القاضي ، ص ٧٧ .
(٤) الكويت ، الموسوعة الفقهية، ج٣٣، ص ٣٣٢.