ويسألهم عن حججهم ويحاورهم، ويناقشهم فإن ذلك كما قال ابن قدامة - رحمه الله -:
" أسرع لاجتهاده وأقرب إلى صوابه" (١)، فإن حكم باجتهاده بعد مشاورتهم فليس لأحد الاعتراض عليه؛ لأن ذلك افتئات عليه، إلا أن يحكم بما يخالف نصاً أو إجماعاً (٢)، فإن قيل فما فائدة المشاورة إذن؟ أقول فائدة المشاورة بالنسبة للقاضي ليتضح له الحكم، لا ليقلدهم لأنه مأمور بأن يقضي باجتهاد نفسه لا باجتهاد غيره، فيسمع ما عندهم، ويعرضه على رأيه ويتنبه للأدلة والمشكلات فيكون ذلك معونة له على تذليل طرق الاجتهاد، ومعرفة مسالك العلة (٣)، فيصل إلى الحق في حكمه.
والمشاورة تكون في النوازل والأمور المشكلة التي تختلف وجهات النظر فيها، وتتعارض الأدلة في شأنها، وفيما يشتبه على القاضي وجه الحكم فيها، فأما الحكم المعلوم بنص، أو إجماع، أو قياس جلي فلا مشاورة فيه، فإن لم يكن الأمر كذلك شاورهم ونظر إلى أقوالهم وأدلتهم، فإن اتفقوا على شيء أمضاه (٤)، وإن اختلفوا نظر إلى أحسن أقاويلهم، وأشبهها بالحق فأخذ به، ولكن إن رأى خلاف رأيهم فإن استحسنه وأشبه الحق قضى به؛ لأن إجماعهم لا ينعقد بدون رأيه، وهو واحد منهم، ولأن رأيه أقوى في حقه من رأي غيره، فلو قضى برأيه كان قاضياً بما هو الصواب عنده، وإذا قضى برأي غيره كان قاضياً بما عنده أنه خطأ وقضاؤه بما عنده هو الصواب أولى، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد والرأي نظر إلى أفقههم عنده وأورعهم فقضى بفتواه (٥).
والمشاورة ينبغي أن لا تكون أمام الخصوم (٦)، وذلك حتى لا يعلم الخصوم ما
= وهكذا ولكن الصواب أن يحضرهم من مختلف المذاهب، لأن الحق لا ينحصر في مذهب، وفي هذا أيضا ابتعاداً عن التعصب المذهبي، أبو البصل، نظرية الحكم القضائي، ص ٣٤٢، ولكن القاضي إذا كان مقيداً بمذهب معين فلا بد من مشاورة من هم على مذهبه دون غيرهم، لأن القضاء كما تبين سابقاً يقبل التخصيص.
(١) ابن قدامة، المغني، ج١٠، ص ١٠١.
(٢) البهوتي، كشاف القناع، ج٦، ص٣٩٩، البهوتي، شرح منتهى الإرادات ج٣، ص ٤٩٩.
(٣) ابن أبي الدم، أدب القضاء، ص ١١٠.
(٤) الحسام الشهيد، شرح أدب القاضي، ص٧٧، الكويت، الموسوعة الفقهية، ج٣٣، ص٣٣٢.
(٥) السرخسي، المبسوط، ج١٦، ص٨٤.
(٦) وفي ذلك يقول السرخسي: " لا ينبغي للقاضي أن يدع المشاورة وإن كان فقيهاً في غير مجلس القضاء" المرجع السابق، ج١٦، ص ٦٦، وهذا ما يعرف اليوم بفكرة المداولة قبل إصدار الحكم في غرفة =