ويمكن الاستدلال لهذه القاعدة بأدلة كثيرة أهمها (١):
أولاً: قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ في الأَمْر﴾ (٢) قال الحسن البصري: "إن كان رسول الله ﷺ لغنياً عن مشاورتهم، ولكنه أراد أن يستن بذلك الحكام من بعده" (٣).
ثانياً: وقوله تعالى: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (٤)، قال الحسن البصري في هذه الآية: "والله ما تشاور قوم قط إلا وفقهم الله تعالى لأفضل ما يحضرهم "(٥)، والمعنى لأفضل ما يطلبونه فإنهم بالمشورة يطلبون شيئاً وهو الصواب ، فالله ر يوفقهم لذلك (٦).
ثالثاً: ما ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يشاور أصحابه في كثير من الأمور حتى قال أبو هريرة: "ما رأيت أحداً كان أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله ﷺ (٧)، فقد شاورهم عليه الصلاة والسلام في غزوة بدر وفي أسرى تلك الغزوة ويوم حفر الخندق وغيرها كثير.
رابعاً: فعل الصحابة رضي الله عنهم، فقد كان الواحد منهم يكون عنده جماعة من أصحاب
(١) هذا وقد اختلف الفقهاء في حكم المشورة من قبل القاضي على ثلاثة أقوال:
الأول: جمهور الفقهاء على استحباب مشاورة القاضي غيره من الفقهاء.
الثاني: وجوب المشاورة وبخاصة في المسائل المشكلة وهو قول أخر عند المالكية.
الثالث: عدم جواز المشاورة بالنسبة للقاضي الجاهل وبه قال ابن حزم الظاهري.
انظر تفصيل هذه المسألة: أبو البصل، نظرية الحكم القضائي، ص٣٣٧، والذي أراه هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء؛ لأن هذا القول يحقق الغاية من القضاء، وهي إيصال الحقوق إلى أصحابها ويبعث الطمأنينة في حكم القاضي؛ لأنه بالمشاورة يكون أقرب للصواب والله أعلم.
(٢) سورة آل عمران آية (١٥٩).
(٣) ابن فرحون، تبصرة الحكام، ج١، ص٣٤، الشربيني، مغني المحتاج، ج٤، ص ٣٩١، وفي ذلك يقول الكاساني: "قد ندب الله ولا رسوله ﷺ إلى المشاورة مع انفتاح باب الوحي فغيره أولى"، بدائع الصنائع، ج٥، ص٤٥٣.
(٤) سورة الشورى آية (٣٨).
(٥) ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، ج١٣، ص ٣٤٠، وهذا لا يمكن أن يقوله الحسن البصري من جهة الاجتهاد والرأي، وإنما قاله توقيفاً؛ لأنه أخبر عن أمر في الغيب الذي لا يطلع عليه إلا الله وَك، فلا يصل إلى معرفته إلا من جهته، الحريري، القواعد والضوابط الفقهية، ص ٨٤.
(٦) الحسام الشهيد، شرح أدب القاضي، ص٧٦.
(٧) الشافعي، أبو عبد الله محمد بن إدريس (ت ٢٠٤هـ / ٨١٩م)، مسند الشافعي، ١م، دار الكتب العلمية، بيروت، والحديث ضعيف الإسناد، وإن كان معناه صحيحاً، ولذا قال: ابن حجر - رحمه الله - ورجاله ثقاتاً إلا أنه منقطع، ابن حجر، فتح الباري، ج١٣، ص ٣٤٠.