القاعدة الثانية :
يندب للقاضي العالم بالحكم مشورة أهل العلم
وإن كان جاهلاً تجب المشورة(١):
معنى القاعدة :
على القاضي إذا لم يجد حكماً للقضية المعروضة أمامه ، لا في كتاب الله ، ولا في سنة رسول الله ، ولم ينعقد الإجماع عليها ، فعليه حينئذ أن يجتهد برأيه إن كان أهلا للاجتهاد، وهنا يستحب له أن يشاور أهل العلم ، لأنه مأمور بتحري الحق ، ولا شك أن مشاورة العلماء تعينه على ذلك ، وتتأكد المشاورة بل تجب إذا كان جاهلاً بالحكم ، حتى لا يقضي بخلاف الحق فيصدق فيه حديث النبي ﷺ : "القضاة ثلاثة: واحد في الجنة ، واثنان في النار ، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به ، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار ، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار "(٢).
وجه الدلالة : فالحديث يدل بمنطوقة على أنه يجب على القاضي أن يحكم بالحق إذا عرفه فيكون من أهل الجنة ، وأن القاضي لا يعذر بجهله الحكم ، بل جعل من حكم بجهل من أهل النار ، ويفهم من ذلك أن على القاضي أن يسلك كل طريق توصله إلى الحق ، ولا شك أن مشاورة أهل العلم ، تبدد ظلام جهله إن كان جاهلا وتنير له الطريق إن كان عالماً.
والمشاورة مبدأ عظيم من أهم المبادىء التي حرص الإسلام عليها ، فقامت دولته على أساسها ، فغدت قاعدة من قواعد الحكم فيه.
(١) الحريري ، القواعد والضوابط الفقهية ،ص ٨٤، الحسام الشهيد، شرح أدب القاضي، ص ٧٦ ، روضة القضاة، ج١، ص ١٠٧ ، ابن فرحون ، تبصرة الحكام، ج١، ص٣٣ ، ميارة، شرح ميارة الفاسي على تحفة الأحكام، ج١، ص٢٣ الشربيني، مغني المحتاج ، ج٤، ص ٣٩١، وقد أورد القاعدة بقوله : "إذا أشكل الحكم تكون المشاورة واجبة، وإلا فمستحبة "، البهوتي، شرح منتهى الإرادات، ج٣، ص ٤٩٩، الكويت ، الموسوعة الفقهية، ج٣٣، ص ٣٣١.
(٢) أبو داود ، سنن أبي داود ، كتاب الأقضية ، باب في القاضي يخطئ ، وقال أبو داود : وهذا أصح شيء فيه،ج٣، ص٩٩ ، الحاكم ، المستدرك على الصحيحين ، وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ، ج٤ ، ص ١٠١، الترمذي، سنن الترمذي ، كتاب الأحكام ، باب ما جاء عن رسول الله ﷺ في القاضي ، ج٣، ص ٦١٣ ، الحديث صحيح ، واللفظ لأبي داود.