فأقض به ولا يلهينّك عنه الرجال، فإن جاءك شيء ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله ﷺ، فانظر إلى ما اجتمع عليه الناس، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله ﷺ ولم يتكلم به أحد قبلك، فاختر أي الأمرين شئت، إن شئت أن تجتهد وتتقدم فتقدم، وإن شئت أن تتأخر فتأخر، ولا أرى التأخر إلا خيراً لك (١) »(٢).
وهذا صريح في أن القاضي ينظر أولاً في كتاب الله، ثم في سنة رسول الله ﷺ ثم فيما أجمع عليه الناس ثم يجتهد برأيه.
إذا تقرر ما سبق، فعلى القاضي أن يلتزم بهذا النهج السديد، وهذا الترتيب المشروع في الرجوع إلى مصادر الأحكام الشرعية لمعرفة الحكم الشرعي، الذي ينطبق على الواقعة التي ينظرها، وأن يبذل كل جهده في الوصول إلى الحكم الصحيح (٣)، وإلا فإن حكمه لا يكتسب حجية الحكم القضائي، بل يكون عرضة لنقضه وإبطاله، ولذا اتفق الفقهاء على أن الحكم القضائي إذا خالف نصاً من كتاب الله، أو سنة رسول الله ﷺ الصحيحة، أو الإجماع، أو القياس الجلي فإنه ينقض (٤).
من الأمثلة على القاعدة ما يلي:
١- ادعت الزوجة أن زوجها طلقها ثلاثاً، فعلى القاضي أن يحكم بالفرقة بين الزوجين، وأنها لا تحل له إلا من بعد أن تنكح زوجاً غيره، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ﴾ (٥).
٢- ادعى رجل أن له على آخر ألف دينار، فسأل القاضي المدعى عليه عن الدعوى فأنكر، فعلى القاضي أن يحكم بأن البينة على المدعي واليمين على من أنكر (٦).
(١) وهذا في زمانهم؛ لأنه كان في المجتهدين كثرة، فإذا امتنع الواحد عن الاجتهاد لم يُضع حكم الله عز وجل، فأما في زماننا ففي المجتهدين قلة، فلو امتنع عن الاجتهاد لأدى ذلك إلى ضياع حكم من أحكام الله فلم يجز الامتناع، الحسام الشهيد، شرح أدب القاضي، ص٢٤٠.
(٢) المقدسي، أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد، (ت٦٤٣ هـ /١٢٣٨م)، الأحاديث المختارة، ط١، ١٠م، (تحقيق: عبد الملك بن عبد الله)، مكتبة النهضة الحديثة، مكة، ١٤١٠هـ، وقال: إسناده صحيح، ج١، ص٢٣٩، ابن أبي شيبة، المصنف في الأحاديث والآثار، ج٤، ص٥٤٣.
(٣) الزحيلي، نظام القضاء، ص٢١١.
(٤) انظر: ص٢٢٠ من هذه الأطروحة.
(٥) سورة البقرة، آية (٢٣٠).
(٦) انظر: ص٩٧ من هذه الأطروحة.