لا يسقط بتقادم الزمان، إلا أن وجه هذا المنع هو: تلافي التزوير، والتحايل، لأن ترك الدعوى زماناً مع التمكن من إقامتها، يدل على عدم الحق ظاهراً، وعدم سماع الدعوى بعد المدة المحددة، ليس مبنياً على سقوط الحق في ذاته، وإنما هو مجرد منع القضاة عن سماع الدعوى، مع بقاء الحق لصاحبه حتى لو أقر الخصم يلزمه، ولو كان التقادم مسقطاً للحق لم يلزمه(١). ويمكن تقسيم الحقوق من حيث كونها موضعاً للحيازة أم لا إلى قسمين(٢):
القسم الأول : أموال وحقوق لا يمكن أن تكون موضعاً للحيازة، وعليه فلا تسري عليها أحكام مرور الزمن فتسمع الدعوى، وإن طالت المدة وهي:
الأموال والحقوق العامة.
أموال وحقوق أصحاب الأعذار، والموانع الشرعية.
القسم الثاني : أموال وحقوق يمكن أن تكون موضعاً للحيازة، ولا تسمع الدعوى عليها بمرور الزمن، ولكن على تفاوت في الفترة الزمنية بالنسبة لكل حق بما يتفق مع طبيعته وتقتضيه المصلحة(٣) ومن الأمثلة على هذه الحقوق: العقار، المنقول، الدين، الميراث، المهر، العارية، الوديعة، وغيرها.
= الثاني: أمر سلطاني :وهو ما يرجع تحديد المدة فيه إلى مرسوم من السلطان، وقد صدر أمر سلطاني ينهى القضاة في الدولة العثمانية عن سماع الدعوى، إذا تركها صاحبها خمس عشرة سنة بلا عذر شرعي واستدلوا على ذلك بأن لولي الأمر تخصيص القضاء بالزمان والمكان، والخصومة، وعليه فيكون القاضي معزولاً عن سماع الدعوى، فإذا سمعها بدون أمر من السلطان كان حكمه باطلاً.
هذا وقد فرق الحنفية بين ما نص عليه الفقهاء، وبين ما أمر به السلطان، بأنه إذا مضت مدة التقادم السلطاني وهي خمس عشرة سنة، فلا تسمع الدعوى بعد ذلك إلا إذا أمر السلطان بسماعها، أما إذا مضت مدة التقادم الاجتهادي، فلا تسمع الدعوى بعد ذلك إن تركت بغير عذر شرعي، وإن أمر السلطان بسماعها، ابن عابدين، حاشية رد المحتار، ج٥، ص ٤٢٠، السبكي، فصل القضية، ص١٧، الحموي غمز عيون البصائر، ج١، ص٣٣٧، علي حيدر، درر الحكام، ج٤، ص ٢٩٥، وزارة الأوقاف الكويتية، الموسوعة الفقهية، ج١٣، ص١١٩، والظاهر أن المراد بعدم سماع الدعوى هو أنه لا يتوجه على المدعى عليه اليمين إذا أنكر، لا أنه لا تسمع ابتداءً، ولا يُسأل المدعى عليه عن جوابها لاحتمال أن يقر المدعى عليه، الخطاب، مواهب الجليل، ج٦، ص ٢٢٤.
(١) ابن عابدين، حاشية رد المحتار، ج٧، ص ٤٨٧، وزارة الأوقاف الكويتية، الموسوعة الفقهية، ج١٣، ص١١٩.
(٢) وزارة الأوقاف الكويتية، الموسوعة الفقهية، ج١٣، ص ١٢٢ علي حيدر، درر الحكام، ج٤، ص ٢٩٥.
(٣) حشيش، أحكام التقادم في الشريعة الإسلامية، ص ١٠٦.