وجه الدلالة :أنه لم يرد الحكم الأول ؛ لأنه يؤدي إلى نقض الحكم بمثله ، فأثبت الواقعة الأولى حكمها ، واستأنف الحكم الجديد في المسألة الثانية(١).
٣- استدلوا بالمعقول فقالوا : لا مزيَّة لأحد الاجتهادين على الآخر ، ولكن الأول تأبد باتصال القضاء به فلا ينقض باجتهاد لم يتأبد به ؛ لأنه دونه ، والقضاء حق الشرع يجب صيانته ، ومن صيانته ، أن يُلزم ولا يعترض عليه(٢).
ثانياً: استدل أصحاب القول الثاني : بكتاب سيدنا عمر بن الخطاب ، إلى أبي موسى الأشعري " فإن الحقَّ قديم لا يبطله شيء ، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل "(٣).
وجه الدلالة : فيه توجيه إلى أبي موسى الأشعري ، بضرورة الرجوع إلى الحق في كل حكم ، بان فيه خطؤه ، وهذا عام في كل حكم ، سواء أخالف نصاً ، أم إجماعاً أم قياساً، أم تغير اجتهاد القاضي.
المناقشة والترجيح :
يتضح لنا من خلال ما سبق ، أن أساس استدلال كل من الفريقين ما ورد عن عمر بن الخطاب ، غير أن ما استدل به الفريق الثاني ، من رسالة عمر بن الخطاب ، إلى أبي موسى الأشعري عام ، بينما ما استدل به الفريق الأول ، من قضائه بالمسألة المشتركة خاص ، وهو نص في المسألة ، ولذا فإن الجمع بين الأدلة أولى من أخذ بعضها ، والإعراض عن البعض الآخر إذا كان ذلك ممكنا ، وعليه فإنه يمكن حمل رسالة عمر بن الخطاب ﴾ إلى أبي موسى الأشعري ، على كل حكم خالف نصاً من كتاب ، أو سنة ، أو إجماعاً ، أو قياساً جلياً ولذا سماه بالباطل ، بينما قوله : " تلك على ما قضينا وهذه على ما قضينا"، يحمل على مسألة تغير اجتهاد القاضي ، والله أعلم.
(١) وقد استدلوا أيضاً بما روي عن القاضي شريح :" أنه كان يقضي بالقضاء ثم يرجع عنه فيقضي بخلاف قضاءه"، وشريح كان قاضياً في زمن عمر وعلي رضي الله عنهما وأن ما فعله كان بعلمهما ، فيكون الموقوف عليه في ذلك كالمرفوع إليهما ، والله أعلم ، الحسام الشهيد ، شرح أدب القاضي ، ص ٣٢٧.
- كما بوَّب البيهقي في سننه الكبرى ذلك بقوله:" باب من اجتهد من الحكام ثم تغير اجتهاده فيما يسوغ فيه الاجتهاد لم يرد ما قضى به استدلالاً فيما مضى في خطأ القبلة في كتاب الصلاة "، البيهقي ، السنن الكبرى ، ج١٠ ، ص ١٢٠.
(٢) منلا خسرو، درر الحكام في شرح غرر الأحكام ، ج٢، ص٤٠٩.
(٣) انظر: ص ١٧١ من هذه الأطروحة.