ظهر للقاضي أنه أخطأ في حكمه، وهنا لا بد من التفريق بين أمرين :
الأول: إذا كان الخطأ في الحكم، بسبب مخالفة لنص من الكتاب، أو السنة الصحيحة، أو الإجماع، أو القياس الجلي (١)، فإنه ينقض قضاؤه بلا خلاف بين العلماء (٢)؛ لأنه مفرط في حكمه غير معذور فيه فوجب نقضه (٣)، لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ﴾ (٤).
الثاني: أما إذا كان الخطأ، نتيجة تغير اجتهاد القاضي، بمعنى أنه عندما أصدر حكمه كان يراه هو الأصوب من وجهة نظره، وبعد فترة تغير اجتهاده لإطلاعه على مسائل جديدة لم يطلع عليها مسبقاً، فرأى أن رأيه الأول خطأ، والثاني هو الأصح، فهنا اختلف الفقهاء في رجوع القاضي عن حكمه إلى قولين (٥):
القول الأول: يرى عدم جواز الرجوع عن الحكم في هذه الحالة، ولكنه يستأنف الحكم في المستقبل بما توصل إليه اجتهاده الجديد، وبه قال جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (٦).
القول الثاني: يرى أن على القاضي، أن ينقض جميع ما بان له خطؤه من الأحكام؛ أي أنه إذا
(١) بخلاف القياس الخفي، وهو ما لا يبعد فيه تأثير الفارق، فلا ينقض الحكم المخالف له؛ لأن الظنون المتعادلة لو نقض بعضها ببعض، لما استمر حكم، ولشق الأمر على الناس، الأنصاري، فتح الوهاب شرح منهج الطلاب، ج٢، ص ٣٧٠، السيوطي، الأشباه والنظائر، ج١، ط ٢٣٦.
(٢) نظام، الفتاوى الهندية، ج٣، ص ٣٣٧، السرخسي، المبسوط، ج١٦، ص ٦٢، الحسام الشهيد، شرح أدب القاضي، ص ٣٢٠، القرافي، الفروق، ج٤، ص ٩٧، ابن فرحون، تبصرة الحكام، ج١، ص ٦٣، الهيتمي، تحفة المحتاج، ج٤، ص ٣٦٥، الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد، (ت ٥٠٥هـ /١١١١م)، الوسيط في المذهب، ط، ٧م، (تحقيق: أحمد محمود / محمد تامر)، دار السلام، القاهرة، ١٤١٧هـ، ج٧، ص ٣٠٧، البهوتي، شرح منتهى الإرادات، ج٣، ص ٥٣٥، القاري، مجلة الأحكام الشرعية، ص ٦٠٥.
(٣) الشيرازي، المهذب، ج٢، ص ٢٩٧.
(٤) سورة المائدة، آية (٤٩).
(٥) بينما نقل صاحب كتاب (رحمة الأمة) الإجماع على عدم نقض الأول، وهذا غير صحيح، عبد الرحمن الدمشقي، رحمة الأمة في اختلاف الأئمة، ص٣٢٩.
(٦) منلا خسرو، درر الحكام في شرح غرر الأحكام، ج٢، ص٤٠٩، نظام، الفتاوى الهندية، ج٢، ص٣٣٧، ابن نجيم، الأشباه والنظائر، ص ٣٣٥، الحطاب، مواهب الجليل، ج٦، ص٣٨٦.