القاعدة السابعة :
مراجعة الحق خير (١) من التمادي في الباطل (٢):
معنى القاعدة :
إنها توجب على القاضي ، الرجوع إلى الحق متى ظهرت أماراته؛ لأن الحق أحق أن يتبع ، وهذا الأمر ليس في القاضي خاصة ، بل هو في كل من تبين له وجه الحق في أمر من أمور الدين ، كالواعظ ، والمفتي ، والقاضي ، في ذلك سواء ، فإذا تبين له أنه زل فليظهر رجوعه عن ذلك ، فزلة العالم سبب لفتنة الناس ، ولكن هذا في حق القاضي أوجب لأن القضاء ملزم (٣) .
وأصل القاعدة هذه هو كتاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري والذي جاء فيه : " ولا يمنعك قضاء قضيت فيه اليوم ، فراجعت فيه رأيك ، فهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق ، فإن الحق قديم لا يبطله شئ ،ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل"(٤).
وجه الدلالة : فهذا نص صريح يوجب ضرورة الرجوع إلى الحق، فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل الذي بان خطؤه.
وبالنظر إلى أصل القضاء وأحكامه نرى أن هذه القاعدة جاءت استثناءً على الأصل المعتمد في باب القضاء ، وهو أنه لا يصح رجوع القاضي عن قضائه ، فلو قال : رجعت عن قضائي، أو أبطلت حكمي لم يصح ، والقضاء ماض(٥) ، وذلك ليكتسب الحكم القضائي صفة الاستقرار والثبات (٦) ، إلا أن الفقهاء قد استثنوا من هذا الأصل عدة مسائل (٧) منها : إذا
(١) جاء في الأشباه والنظائر، للسيوطي: "أن أفعل التفضيل ليس على بابه، لأن التمادي في الباطل لا خير فيه" ، السيوطي ، الأشباه والنظائر ، ج١ ، ص ٣١ ، ولكني أرى أنها قد تفهم على أنها تفضيل من حيث أن للقاضي مصلحة باستمرار الحكم الأول ، وعدم نقضه حفظاً لماء وجهه أمام الخصوم ، وعدم سقوط هيبته ، وازدراء الناس به ، ولكن هذه المصلحة لا تساوي شيئا أمام مصلحة الرجوع إلى الحق .
(٢) السيوطي : الأشباه والنظائر، ج١، ص ٣١ .
(٣) "لأنه كما قيل إن زل العالِم زل بزلته العالم"، السرخسي، محمد بن أحمد، (ت ٤٩٠هـ / ١٠٩٦م)، المبسوط ، ١٦م ، دار المعرفة، بيروت ، ١٩٩٣م، ج١٦، ص ٦٢ .
(٤) انظر : ص ٥٣ من هذه الأطروحة .
(٥) الحموي، غمز عيون البصائر، ج٢، ص٣٩١ ، ابن عابدين، حاشية رد المحتار، ج٥، ص٤٢٣.
(٦) أبو البصل ، نظرية الحكم القضائي ، ص ٤٢٢ .
(٧) ابن نجيم، الأشباه والنظائر، ٢٣٥، الحموي، غمز عيون البصائر، ج٢، ص ٣٩١.