ثانياً : أن يكون الضرر فاحشاً (١) :
إن الضرر الذي تجب إزالته هو الذي يلحق بالآخرين ضرراً فاحشاً لا يمكن تحمله، ولذا قال شارح المجلة : " بأن هذا الحديث (لا ضرر ولا ضرار)، عامٌ مخصوص ؛ لأنه لا يتضمن نفي كل ضرر ، حيث توجد أضرار كثيرة ، لا يكلف الباعث لها برفعها ، وذلك إذا طبخ أحد في بيته أطعمته ، وكانت رائحتها تنتشر إلى جيرانه فتضرروا من ذلك ، ولا سيما المرضى منهم فلا يمنع ذلك الشخص من طبخ طعامه للضرر المذكور ، وعليه فإن الضرر الذي يجب أن يزال ما كان فاحشاً ، أما ما كان يسيراً فيغتفر (٢).
من الأمثلة على القاعدة (٣) :
١- وجوب نصب الإمام الأعظم ، ونوابه من الأمراء والقضاة ؛ لأن المقصود الأعظم بنصبهم دفع الظلم عن الضعفاء ، والأخذ على أيدي الجناة والمعتدين ، وإيصال الحقوق إلى مستحقيها في المحاكمات (٤).
٢- ومنها إيجاب الزكوات في أموال الأغنياء ، لدفع ضرر الحاجة عن الفقراء ، فأوجب الشارع في الأموال ما تسد به خلتهم .
٣- إذا أراد المدين أن يسافر فراراً من دائنه فللقاضي أن يمنعه من السفر .
٤- إذا سلط شخص ميزاب بيته على الطريق العام ، بحيث يضر بالمارة فإنه يزال ،وكذلك إذا تعدى على الطريق العام ، ببناء ، أو حفر ، فإنه يزال ، ويضمن ما ألحقه من أضرار (٥).
وتجدر الإشارة هنا إلى أن قاعدة "الضرر يزال" ، يرد عليها ببعض الضوابط الفقهية، التي تشكل بحد ذاتها قواعد فقهية ، ومن أهم هذه الضوابط ما يلي :
(١) ومن الشروط أيضاً: أن يكون الضرر بغير حق ، وأن يكون مخلاً بمصلحة مشروعة ، أو بمصلحة مستحقة للمتضرر بأي وجه من وجوه الاستحقاق ، موافي ، الضرر في الفقه الإسلامي ،ج٢، ص ٤٤٩.
(٢) السرخسي ، المبسوط، ج٢، ص ٢٢ ، ابن مفلح، المبدع، ج٦، ص ٢٧٧ ، ابن قدامة ، المغني ، ج١، ص ١٥٢، علي حيدر، درر الحكام، ج٣، ص٢١٨.
(٣) ابن نجيم ، الأشباه والنظائر، ص ٨٥، الحموي ، غمز عيون البصائر، ج١، ص٢٧٤ ، السبكي ، الأشباه والنظائر و ج١، ص ٤١، السيوطي، الأشباه والنظائر، ج١، ص١٦٦ ، الزرقا، المدخل الفقهي العام، ج٢، ص ٩٩٣، أحمد الزرقا ، شرح القواعد الفقهية، ص١٧٩ ، الزحيلي ، القواعد الفقهية ، ص١٩٨ .
(٤) العلائي ، المجموع المذهب ، ج١ ، ص ١٢٤ .
(٥) الزرقا ، المدخل الفقهي العام ، ج٢ ، ص ٩٩٣ .