إقامة التكليف إلا بذلك، فالعادة جرت بأن الزجر سبب الإنكفاف عن المخالفة : كقوله تعالى : ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾(١)، فلو لم تعتبر العادة شرعاً لم ينحتم القصاص ، ولم يشرع إذ يكون شرعاً لغير فائدة ، وذلك مردود بقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِي القَصَاصِ حَيَاةٌ﴾(٢).
من خلال ما سبق يتضح أن المسلم مأمور باعتبار العادة والرجوع إليها ،ولكنها ليست دليلاً مستقلاً من أدلة الشريعة الإسلامية ، من قرآن ، أو سنة ، وإنما ترد إليهما لاعتبارها، وبناء الأحكام الشرعية عليها ، ولهذا قرر الفقهاء لاعتبارها عدة شروط وهي(٣):
أولا : أن لا تخالف العادة نصاً من كتاب ، أو سنة ، أو أصل قطعي في الشريعة الإسلامية(٤)، كأن يتعارف الناس على التعامل بالربا ، فهذا العرف باطل(٥).
ثانيا : أن تكون العادة مطردة أو غالبة ، بحيث يكون العمل فيها مستمراً في جميع الحالات أو قل في أغلبها(٦)، فلا يضير العادة شئ إن تخلفت في بعض الوقائع القليلة النادرة(٧).
ثالثا : أن تكون العادة موجودة عند إنشاء التصرف وسابقة عليه ، وإلا فلا تعتبر(٨).
الرابع : أن لا تعارض العادة شرطاً للعاقدين أو أحدهما بعدم العمل بها(٩)، فلو كان العرف مثلا جارياً على أن يدفع المستأجر أجرة البيت مقدماً في أول كل شهر ، فاتفقا على دفع الأجرة في أخر الشهر جاز.
(١) سورة البقرة ، آية (١٧٩).
(٢) الشاطبي، الموافقات، ج٢، ص ٥٧٣ ، وما بعدها.
(٣) الحصري ، القواعد ، ج١، ص ٣٥٧ ، شبير، القواعد الكلية، ص ٢٤٥.
(٤) ابن نجيم، الأشباه والنظائر، ص٩٤، الحموي، غمز عيون البصائر، ج١، ص٢٩٧ ، حيث قالوا : " وإنما العرف غير معتبر في المنصوص عليه"، علي حيدر، درر الحكام ، ج١ ، ص٤٤.
(٥) شبير، القواعد الكلية ، ص ٢٤٥.
(٦) وفي ذلك يقول السيوطي:" إنما تعتبر العادة إذا اطردت فإن اضطربت فلا " السيوطي، الأشباه والنظائر، ج١، ص ٢٠١، ابن نجيم الأشباه والنظائر، ص ٩٤ ، علي حيدر، درر الحكام ، ج١ ، ص ٥٠.
(٧) وفي ذلك يقول الشاطبي : "إذا كانت العوائد معتبرة شرعاً فلا يقدح في اعتبارها انخراقها ما بقيت عادة على الجملة " ، الشاطبي، الموافقات ، ج٢، ص ٥٧٥.
(٨) وفي ذلك يقول السيوطي:" العرف الذي تحمل عليه الألفاظ إنما هو المقارن السابق دون المتأخر "، السيوطي ، الأشباه والنظائر ، ج١ ، ص٢١٦.
(٩) وفي ذلك يقول العز بن عبد السلام :" كل ما يثبت في العرف إذا صرح المتعاقدان بخلافه بما يوافق مقصود العقد صح"، العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، ج٢، ص١٥٨.