ويمكن أن يستدل لهذه القاعدة بقول النبي ﷺ:" إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه، أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحاً "(١).
وجه الدلالة:
الحديث صريح في أن من تيقن الطهارة، ثم شك في الحدث، فله أن يصلي؛ لأن الأصل الطهارة، والأصل بقاء ما كان على ما كان ما لم يأت دليل يغيره، فإذا سمع صوتاً، أو وجد ريحاً تغير ذلك الأصل، فلا يصلي لتغير الحالة السابقة.
من الأمثلة على هذه القاعدة (٢):
١- إذا ادعت امرأة أن زوجها طلقها، فأنكر الزوج طلاقها، ولم يكن لها بينة تدل على صحة قولها، فالقول قوله؛ لأن الأصل بقاء النكاح (٣).
٢- لو ادعى رجل أنه وارث المفقود، وهو الغائب غيبة منقطعة، أي انقطع خبره فإنه يعتبر حياً، إلى أن يثبت موته حقيقة بالبيئة، أو حكماً بأن يقضي القاضي بموته بعد موت جميع أقرانه، وإلا يحكم أنه حي، بحكم الأصل، فلا يقسم قبل ذلك ماله بين ورثته، ولا تبين منه امرأته، وهذا باتفاق الفقهاء؛ لأن الاستصحاب حجة في الدفع عند الجميع (٤)، ولكن لو مات من يرثه المفقود في حال الفقدان، فهل نستصحب حياته السابقة ويعتبر وارثاً؟ فعند الحنفية لا يرث، لأن الاستصحاب عندهم حجة في النفي لا في الإثبات (٥)، بينما يعتبر الاستصحاب حجة في النفي والإثبات عند غيرهم (٦)، فيرث المفقود هنا؛ لأن الأصل بقاء حياته.
= لأن الإجماع منعقد على صحتها قبل ذلك، فاستصحب إلى أن يدل دليل على أن رؤية الماء مبطلة، وهذا النوع هو محل الخلاف: فجمهور الفقهاء على أنه لا يجوز الاستدلال به بمجرد الاستصحاب، وذهب أكثر الشافعية وأهل الظاهر إلى الاحتجاج به، والقول الثاني: هو الراجح لأن المتمسك بالاستصحاب باق على الأصل فلا يجب عليه الانتقال عنه إلا بدليل يصلح لذلك، الشوكاني، إرشاد الفحول، ص ٣٩٠.
(١) مسلم، صحيح مسلم، كتاب الحيض، باب الدليل على من تيقن الطهارة ثم شك في الحدث فله أن يصلي بطهارته، ج١، ص٢٧٦.
(٢) انظر مزيد من الأمثلة: ابن نجيم، الأشباه والنظائر، ص٥٨، السيوطي، الأشباه والنظائر، ج١، ص١١٦.
(٣) ولا يقال أن هذا يتعارض مع قاعدة: "الأصل في الأبضاع التحريم" فإن هذه القاعدة تجري قبل النكاح لا بعده، فإذا ما وقع النكاح كان هو الأصل وكان الطلاق طارئاً، فإن ثبت بالإقرار أو بالبينة زال النكاح، إسماعيل، محمد بكر (١٩٩٧م)، القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه، ط١، ١م، دار المنار، ص٥٨.
(٤) المبسوط، السرخسي، ج١١، ص٤٤، ابن ضويان، منار السبيل، ج٢، ص٨٠، ابن قدامة، المغني ج٢، ص٨٥٥.
(٥) علي حيدر، درر الحكام، ج١، ص٢٧.
(٦) المغني، ابن قدامة، ج٢، ص٨٥٥، البورنو، موسوعة القواعد الفقهية، ج٢، ص١٠٥.