القاعدة الثالثة :
أن يكون المدعى به في ذاته مصلحة مشروعة (١):
معنى القاعدة :
تدل هذه القاعدة على أنه يشترط لصحة الدعوى ، أن يكون الحق المدعى به مما يحقق للمدعي مصلحة مشروعة ، والمصلحة المشروعة هي المنفعة المعتبرة التي لها قيمة أقرها الشرع واعترف بها (٢) ، فإذا كان الحق المدعى به تافهاً ليس له قيمة ، كأن يطالب شخص بعشر سمسمه ، أو حبة قمح ، أو بدرهم وغيرها ، أو كان له قيمة ولكنه متولد عن مفسدة أي أمر غير مشروع ، كأن يطالب شخص بالفائدة الربوية ، أو ثمن خنزير أو خمر ، فإن مثل هذه الدعاوى لا تسمع.
ويمكن أن يستدل لهذه القاعدة ، بأن القاضي مأمور بأن يحكم وفق شرع الله ، ﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ﴾(٣) ، وغيرها من الآيات ، والأحاديث الدالة على ذلك . فإن كان المدعى به مصلحة ، ولكنها متولدة عن مفسدة ، فيكون الحكم بها بخلاف شرع الله ، وهذا موجب لبطلان الحكم ، وعدم ترتب آثاره عليه ، أما اشتراط كون المدعى به مصلحة معتبرة لها قيمة ، وذلك لاستبعاد دعوى الأشياء الحقيرة ، فإن هذه الأشياء وإن كانت حقاً لصاحبها ، إلا أن المطالبة بها أمام القضاء يجلب من المفسدة أكثر مما تجلب من المصلحة لصاحبها ، فإنها في ذاتها تهون أمام تكاليف إحضار المدعى عليه ، ونصب قاض للنظر فيها ، وتضييع وقت القضاء في ذلك (٤) ، وكما هو مقرر شرعاً ، فإن درء المفاسد أولى من جلب المصالح ، فالترفع عن المطالبة بمثل هذه الأشياء التافهة ، أليق بأهل الفضل وذوي المروءات.
هذا وقد اتفق الفقهاء على أنه يشترط في المدعى به ، أن يكون مصلحة مشروعة ، أما إذا كان مصلحة متولدة عن مفسدة ، فإن هذه الدعوى لا تسمع ؛ " لأن الشرع قد أبطلها
(١) القرافي ، الفروق، ج٤، ص ٢٢، وفي ذلك يقول القرافي:" إن الشرع لا يعتبر من المقاصد إلا ما تعلق به غرض صحيح ، محصل لمصلحة ، أو دارئ المفسدة، لذلك لا يستمع الحاكم الدعوى في الأشياء التافهة الحقيرة ، التي لا يتشاح العقلاء فيها عادة كالسمسمة ونحوها".
(٢) هذا وقد اعتبر الشاطبي:" أن كل ما يفيد حفظ الدين ، والنفس ، والعقل ، والنسل ، والمال ، هو مصلحة " ، الشاطبي، الموافقات، ج٢، ص٣٢٦ .
(٣) سورة المائدة ، آية (٤٩).
(٤) ياسين، نظرية الدعوى ، ص ٣٠٤ .