الدعاوى والشهادات، والأقارير وغيرها أن ما كذبه العقل ، أو جوَّره ، وأحالته العادة فهو مردود ، وأما ما أبعدته العادة من غير إحالة فله رتب في البعد ، أو القرب قد يختلف فيها: فما كان أبعد وقوعا فهو أولى بالرد ، وما كان أقرب فهو أولى بالقبول ، وبينهما رتب متفاوتة(١).
وهذا الذي ذكره الإمام العز بن عبد السلام ، في غاية الدقة ، ويدل على علم دقيق ، وفهم عميق ، فقد وضع بذلك حلاً وسطاً لهذه المسألة فهو لم يقل بسماع دعوى المستحيل العرفي مطلقاً ، كما لم يقل بإلغائها ، بل جعلها درجات متفاوتة ، فما كان أبعد وقوعاً فهو أولى بالرد ، وما كان أقرب وقوعاً فهو أولى بالقبول ، وهذا يعطي صلاحية للقاضي أن ينظر في المسائل المعروضة عليه ، وأن يصدر حكمه بما يتفق مع نصوص الشريعة ، وينسجم مع مقاصدها ، في إيصال الحقوق إلى أصحابها ، فالحق أحق أن يتبع.
وتجدر الإشارة إلى أن فقهاء المالكية ، قد قسموا الدعاوى بالنسبة إلى موافقتها للعرف، والعادة إلى ثلاث صور :
الأولى : الدعوى التي تكذبها العادة :
فقد قالوا ببطلانها ، وعدم ترتب آثار لها عليها ، ولذلك قالوا بفساد الدعوى بحق من أهمله صاحبه مدة طويلة ، وهو يراه في يد المدعى عليه يهدم، ويبني ويؤجر مع طول الزمن وهو حاضر من غير مانع يمنعه من الطلب ...(٢)، وهو مع ذلك لا يعارضه فيها ، ولا يدعي أن له حقاً وليس بينهما شركة ثم قام يدعي أنها له ويريد أن يقيم البينة على دعواه ، فهذا لا تسمع دعواه أصلا فضلاً عن بينته لتكذيب العرف إياه(٣).
الثانية : الدعوى التي تصدقها العادة :
وهذه الدعوى مسموعة من مدعيها ، ويمكّن من إقامة البينة على مطابقتها ، أو يستحلف المدعى عليه ، ولا يحتاج في استحلافه إلى إثبات خلطة ، ومثالها : أن يدعي رجل على صانع منتصب للعمل أنه دفع إليه متاعاً يصنعه له(٤).
الثالثة : الدعوى التي لا تقضي العادة بصدقها ، ولا بكذبها :
فهذه الدعوى مسموعة من مدعيها ، ويمكن من إقامة البينة على مطابقتها ، فأما
(١) ابن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام ، ج٢، ص ١٠٦ .
(٢) سوف تتم الإشارة إلى هذه الموانع فيما بعد ، انظر : ص ١٨٤ من هذه الأطروحة .
(٣) ابن فرحون، تبصرة الحكام، ج١، ص ١١٠ ، بن حسين، تهذيب الفروق ، ج٤، ص١٥٩.
(٤) فيحلف ولم لم تثبت خلطة ؛ لأن نصب نفسه للناس في معنى الخلطة ، هذا وقد ذكر الدسوقي " أنه يستثنى من اشتراط الخلطة ثماني مسائل ... " ، الدسوقي ، حاشية الدسوقي ، ج٦، ص٢٩ .