والظاهر من كلام اللغويين هنا أن الزيادة من جهة الإعراب لا بمعنى اللغو. لأن ((ما)) هنا لها عمل إذا كفت ((إنَّ)) عن العمل فليست مهملة.
وأما الآية الثانية فالمفسرين فيها أقوال كثيرة غير الزيادة يحسن الحمل عليها من هذه الأقوال. أن تكون ((ما)) بمعنى شيء والجار متعلق بقوله تعالى ﴿لعناهم﴾ والتقدير بسبب شيء واحد لعناهم هو نقضهم ميثاقهم.
وقال الألوسي(٦٨) رحمه الله ((في الكلام مقدر والجار والمجرور متعلق بمقدر أيضاً والباء للسببية وما مزيدة لتوكيدها والإشارة إلى أنها سببية قوية وقد يفيد ذلك الحصر بمعونة المقام. وجوز أن تكون ((ما)) نكرة تامة ويكون نقضهم بدل منها أي فخالفوا ونقضوا ففعلنا بهم ما فعلنا بنقضهم(٦٩).
وعلى كل حال فإن كانت ((ما)) لتوكيد السببية والإشارة إلى أنها سببية قوية فهذا وجيه والتوكيد معنى من المعاني وتكون الآية في غير محل النزاع إلا أن الأولوية الحمل على معنى جديد لأنه تأسيس وهو أولى من التوكيد فإنه حينئذ يصار إلى الثاني وتكون الآية عندئذ داخلة في محل النزاع. ويجري عليها حكم القاعدة الكلية.
وأما قوله تعالى ﴿فبما نقضهم ميثاقهم حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم(٧٠)﴾ والمقول في تأويل هذه الآية، ما قيل في سابقتها من وجوه. قال النسفي(٧١) رحمه الله ومعنى التأكيد ههنا تحقيق أن تحريم الطيبات لم يكن إلا بنقض العهد وما عطف عليه من الكفر وقتل الأنبياء(٧٢) وكذا القول في قوله تعالى ﴿فبما رحمةٍ من الله لنت لهم﴾(٧٣) أو تكون على تقديم وتأخير وتفيد
(٦٨) الألوسي هو محمود شكري بن عبد الله بن شهاب الدين محمود الألوسي الحسيني أبو المعالي مؤرخ ومفسر ولد سنة ١٢٧٣ وتوفي سنة ١٣٤٢ الأعلام للزركلي ج ٧/١٧٢.
(٦٩) تفسير الألوسي جـ ٦ ص ٨ إدارة الطباعة المنيرية دار إحياء التراث العربي.
(٧٠) النساء (١٥٥).
(٧١) النسفي هو عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي أبو البركات فقيه حنفي مفسر من أهل ابذج (من كوراصبهان ونسبته إلى نسف من بلاد السند له مصنفات كثيرة منها مدارك التنزيل في التفسير وكنز الدقائق في الفقه، والمنار وشرحه في أصول الفقه والوافي من الفروع والكافي شرح الوافي انظر ترجمته في تاج التراجم ص ٣٥ رقم الترجمة /٨٦ والأعلام ج ٤/٦٧.
(٧٢) تفسير النسفي ج ١/٢٦١ دار الكتاب العربي.
(٧٣) هود (٨١).