المذهب الرابع: وهو ضرورة إيجاد معنى لكل حرف أو اسم، أو فعل في القرآن الكريم بحيث لا يجوز حمله على التوكيد إذا كان المقام لا يحتمل الحمل عليه، لأن حمله على أي معنى من المعاني تأسيس وهو أولى من التوكيد على ما تقرر في محله.
وهذا المذهب ألمح إليه شيخ الإسلام ابن تيمية(٢٦) ونص عليه فضيلة الشيخ محمد عبد الله دراز في كتابه النبأ العظيم(٢٧) ولقد قال وأجاد في هذه المسألة وأنا أنقل هنا نصه بتمامه تحصيلاً للفائدة يقول رحمه الله:
فليس في القرآن كلمة إلا هي مفتاح لفائدة جليلة، وليس فيه حرف إلا جاء لمعنى، دع عنك قول الذي يقول في بعض الكلمات القرآنية إنها مقحمة وفي بعض حروفه إنها زائدة زيادة معنوية. دع عنك الذي يستخف كلمة التأكيد فيرمي بها في كل موطن يظن فيه الزيادة لا يبالي أن تكون تلك الزيادة فيها معنى المزيد فتصلح لتأكيده أو لا تكون ولا يبالي أن يكون بالموضع حاجة إلى هذا التأكيد أو لا حاجة به أجل دع عنك هذا فإن الحكم في القرآن بهذا الضرب من الزيادة أو شبهها إنما هو ضرب من الجهل مستوراً أو مكشوفاً، بدقة الميزان الذي وضع عليه أسلوب القرآن.
وخذ نفسك أنت بالغوص في طلب أسراره البيانية على ضوء هذا المصباح فإن عمّى عليك وجه الحكمة في كل كلمة منه أو حرف فإياك أن تعجل كما يعجل هؤلاء الظانون ولكن قل قولاً سديداً هو أدنى إلى الأمانة والإنصاف قل الله أعلم بأسرار كلامه ولا علم لنا إلا بتعليمه ثم إياك أن تركن إلى راحة اليأس فتقعد عن استجلاء تلك الأسرار قائلاً أين أنا من فلان وفلان؟ كلا. فرب صغير مفضول قد فطن إلى ما لم يفطن إليه الكبير الفاضل الأثرى إلى قصة ابن عمر في الأحجية المشهورة(٢٨) فَجُدْ في الطلب وقل ربي زدني علماً فعسى الله تعالى أن يفتح لك باباً من العلم تكشف به شيئاً مما عمى على غيرك والله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور(٢٩) إ هـ بتمامه.
(٢٦) ابن تيمية مرت ترجمته في ص ٣٢.
(٢٧) النبأ العظيم ص ١٣٠.
(٢٨) قرأ رسول الله ﷺ قوله تعالى ضرب الله مثلاً كلمةً طيبة. الآية من إبراهيم ثم قال إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها إنها مثل المسلم فحدثوني ما هي فخفى على القوم علمها وجعلوا يذكرون أنواعاً من شجر البادية وفيهم ابن عمر فوقع في نفسه أنها النخلة. وكان أحدث القوم وفيهم أبو بكر وعمر فقال النبي ﷺ إنها النخلة الحديث رواه البخاري كتاب التفسير، سورة إبراهيم باب ١ - ٥ ص ٢١٩ تصوير استانبول.
(٢٩) البقرة (٢٥٧).