ووجه الدلالة، انه يجب الوقف على قوله تعالى ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ وحينئذٍ فيكون الراسخون في العلم مبتدأ ويقولون خبر عنه وإذا وجب الوقف عليه ثبت أن في القرآن شيئاً لا يعلم تأويله إلا الله وقد خاطبنا الله به وهذا هو المدعى.
وإنما قلنا يجب الوقف عليه لأنه لو لم يجب الوقف لكان الراسخون معطوفاً عليه حينئذٍ فيتعين أن يكون قوله تعالى ﴿يَقُولُونَ﴾ جملة حالية أي قائلين. ولا يجوز أن يكون حالاً من المعطوف والمعطوف عليه لامتناع أن يقول الله آمنا به فيكون حالاً من المعطوف فقط وهو خلاف الأصل لأن الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في المتعلقات وإذا انتفى هذا تعين ما قلناه.
والجواب إنما يمتنع تخصيص المعطوف بالحال إذا لم تقم قرينة تدل عليه أما إذا قامت قرينة تمنع اللبس فلا بأس «كقوله تعالى ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾(٨) فإن نافلة حال من يعقوب خاصة لأن النافلة ولد الولد. وما نحن فيه كذلك. لأن العقل قاض بأن الله تعالى لا يقول آمنا به ولذلك لا يلزم من عطف ((الراسخون في العلم)) على ((إِلَّا اللَّهُ)) محذور. هذا بناء على من يُجَوِّز الوقف على ((الراسخون في العلم)) أما من يرى وجوب الوقف على ((إِلَّا اللَّهُ)) كما هو مذهب السلف فلا يفيد عنده هذا الرد لكن يمكن أن يقال: إن جميع ما في القرآن له معنى، ولكن منه ما علمناه ومنه ما استأثر الله بعلمه، وليس ما استأثر الله بعلمه مهملاً لأن له فائدة عظيمة وهي الإيمان به. وسيأتي بحث هذه المسألة أكثر في مسألة تنزيه القرآن عما يعارض مقتضيات العقول.
الدليل الثالث، أن الله تعالى شبه لنا أشياء في القرآن لا نعلم حقيقتها، فقال ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾(٩) ونحن لا نعلمها فلا يفيد شيئاً، وهذا حقيقة المهمل.
وأجاب البيضاوي بأن هذا التشبيه وما يشاكله معلوم للعرب فإنه مثل في الاستقباح(١٠) وكأن الحشوية يستدلون على وجود خطاب في القرآن له معنى لا نفهمه بينما الدعوى في وجود المهمل في القرآن الذي ليس له معنى إطلاقاً فأدلتهم لا تطابق الدعوى، فكان ينبغي أن يستدلوا لوجود المهمل في القرآن وهو ما ننفيه، وننكر على القائلين به.
(٨) الأنبياء (٧٢).
(٩) الصافات (٦٥).
(١٠) انظر الأدلة والرد عليها، نهاية السول شرح منهاج الأصول للبيضاوي ج ١ ص ٢٧٦. تهذيب د. شعبان محمد اسماعيل.