الأسنوى: ((لا يخاطبنا الله تعالى بالمهمل لأنه هذيان))(٤).
واحتج الجمهور على مذهبهم بدليلين:
الأول: هو أن التكلم بما لا يفيد شيئاً هذيان وهو نقص والنقص على الله محال.
الثاني: إن الله تبارك وتعالى وصف القرآن بكونه هدىً وشفاءً وبياناً وذلك لا يحصل بما لا يفهم معناه(٥).
وكيف يليق بذاته سبحانه أن يخاطب العرب وهم أرباب الفصاحة والبلاغة بألفاظ لا تؤدي أغراضها ولا تحقق مناطها من فهم كلامه والعمل بمقتضاه، ولو وجد فيه لفظ مهمل لكانوا أسرع الناس إلى بيانه لأنهم كانوا حريصين على توجيه المطاعن إليه. فلما لم يؤثر عنهم نعته بمثل هذه النعوت دل ذلك على أنهم فهموا كل ما جاءهم به بل أذعنوا لبلاغته وفصاحته حتى قال فيه الوليد بن المغيرة المخزومي وصفاً فريداً من نوعه. قال: لقد سمعت آنفاً من محمد كلاماً إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وإنه ليعلو ولا يعلى عليه(٦). فمن وصف القرآن بهذه الصفات فهم كل ما جاء به. وأن كل ما فيه جارٍ على وفق ما يفهمونه من البلاغة والفصاحة وما كان هذا شأنه عند العرب فلا يلتفت بعده إلى كلام أهل الحشو الذين يقولون بورود الألفاظ المهملة في الكتاب العزيز. ليهملوا من ألفاظه ما أراد الله إعماله وأحكامه.
شبه المخالفين وردها:
واحتجت الحشوية على ما ذهبت إليه بثلاثة أدلة، لا يعدو كونها شبهاً واهية.
الأولى، قالوا أن في القرآن ما لا يفهم معناه مثل كَهَيَعَصَ. وأَمَ، وَطَه.
وأجاب الجمهور على هذا بأن مثل هذه لها معان ولكن اختلف المفسرون فيها على أقوال كثيرة وسيأتي بحثها بعد قليل.
الثاني بقوله تعالى ﴿وما يعلم تأويلَهُ إلا اللَّه، والراسخون في العلم يقولون آمنا به الخ .. الآية﴾(٧).
(٤) نهاية السول للأسنوي ج ١ ص ١ و/٢ و/٣ تهذيب د. إبراهيم الدسوقي.
(٥) المحصول للرازي ج ١ ق ٥٣٩/١.
(٦) الأثر أخرجه الطبري بسنده عن عكرمة بنحو هذا اللفظ ٩٨/٢٩ الطبعة الأولى.
(٧) آل عمران (٧).