الناس بسببها فرقا، وأحزابا كل حزب بما لديهم فرحون، ونسب هؤلاء الطاعنون العبث الى الله سبحانه وتعالى.
وبعضهم يطعن على الكتاب العزيز بورود المهمل، والهذيان الذي لا فائدة فيه ولا طائل تحته، وهذا نقص وعبث، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وبعضهم نسب اللغو، والحشو إلى بعض كلماته وحروفه.
وسوف أتناول هذه المسائل الثلاثة مبيناً فيها أثر القاعدة الكلية، إن شاء الله.
وهذا الباب يرتبط بالقاعدة ارتباطاً وثيقاً، لأن القاعدة الكلية تنص على صيانة كلام المكلف عن الإلغاء، اعتباراً لعقله ودينه، وأن المسلم العاقل المتدين لا يصدر عنه ما لا فائدة فيه، فإذا كان الواجب إعمال كلام المكلف وصونه عن العبث واللغو كان من الأولى أن يصان كلام رب العالمين عن ذلك. وأن لا ينسب الحشو واللغو إلى كلامه سبحانه وتعالى، وبهذا التمهيد القصير يظهر أثر القاعدة الكلية في هذا الباب، وإليك تفصيل ما ذكر.
((فصل)) في تنزيه القرآن عن الألفاظ المهملة))
لقد أجمع علماء الأمة على أن الله سبحانه وتعالى، لا يتكلم بما لا فائدة فيه. كيف وهو اللطيف الخبير، ولأن الكلام العاري أبداً عن الفائدة لا يقصده العقلاء والحكماء في كلامهم فهو بعيد كل البعد عن أهل الحكمة.
وأن القرآن كلام الله تعالى، وبالتالي فهو منزه عن ورود الألفاظ المهملة التي لا فائدة فيها ولا معنى، ولا حكمة من وضعها، ولم يشذ عن هذا الإجماع إلا شرذمة سموا بالحشوية، لطعنهم على القرآن بالحشو والهذيان(٢).
قال في المحصول: ((لا يجوز أن يتكلم الله تعالى بشيء ولا يعني به شيئاً(٣) وقال
(٢) هذا المعنى استوحيته من هذه المسألة. وقد عرف العلماء الحشوية بتعريفات أخرى. ذكرها الدكتور طه جابر في حاشية المحصول ج ١ ق ١ ص ٥٤٠ أذكره هنا باختصار. فالحشوية طائفة من المبتدعة لقبوا بذلك لاحتمالهم كل حشو وروى من الأحاديث المختلفة المتناقضة. فعلى هذا يكون القياس فيه سكون الشّين، وقيل لقبوا بهذا الاسم لأنهم كانوا في حلقة الحسن البصري، فوجدهم يتكلمون كلاماً ساقطاً فقال ردوا هؤلاء إلى حيث الحلقة. فعلى هذا يكون القياس فيه بفتح الشين. باختصار من المرجع السابق.
(٣) المحصول للرازي ج ١ ق ١ ص ٥٣٩ بتحقيق الدكتور طه جابر.