الذي يتضح من أقوال الفقهاء أنهم مختلفون في هذه المسألة فبعضهم يحمل اليمين الثانية والثالثة على التأسيس مطلقاً سواء قصد التأكيد أم لم يقصده وهم الحنفية وبعضهم يحملها على التوكيد مطلقاً وهم الحنابلة والمعتمد في المذهب المالكي وبعضهم يحملها على التأسيس إلا أن يقصد التوكيد. وهو قول في المذهب الشافعي والمرجوح في المذهب المالكي، وبعضهم يحمله على التأكيد ديانة لا قضاء وهو مذهب الكرخي من الحنفية.
وهذه مجمل أقوالهم في المسألة:
المذهب الحنفي: قال في البدائع، ((إذا كرر اليمين مرتين أو ثلاثة اختلف الأحناف في هذه المسألة، تبعاً لاختلاف الصور فلو قال والله لا أفعلُ. والله لا أفعلُ، والله لا أفعلُ. ثم فعل فهذه ثلاثة أيمان عليها ثلاثُ كفاراتٍ. عند أبي حنيفةً والصاحبين وقال الكرخيّ(٣٢) إن ادعى الحالفُ التوكيدَ صُدّقَ ديانةً. لأن الحكم المتعلق باليمين بالله تعالى هو وجوب الكفارة. وأنه. أَمْرُ بينه وبين الله وَلَفْظُهُ محتمل في الجملة. وإن كان خلاف الظاهر، فكان مُصَدَّقاً فيما بينه وبين الله تعالى، وروی عن أبي حنيفة أنه لا يصدق، وروى أيضاً عن أبي يوسف أنه قال في رجل حلف في مقعد واحد بأربعة أيمان، أو بأكثر أو بأقل فقال أبو يوسف، سألتُ أبا حنيفة عن ذلك فقال لكل يمين كفارة ومقعد واحد ومقاعد مختلفة واحد))(٣٣).
المذهب المالكي: قال في أسهل المدارك، وتتكرر الكفارة بتكرر اليمين إلا أن يريد التأكيد ثم قال والمعتمد في المذهب أنه تلزمه كفارة واحدة، ولو كانت الايمان بألفاظ مختلفة المعاني، أو بجميع الأسماء والصفات، وسواء قصد التأكيد أو الانشاء أو لا قصد له إلا أن ينوي كفاراتٍ فتتعدد(٣٤) وقال مالك في الموطأ (فأما التوكيد فهو حلف الانسان على الشيء الواحد مراراً يردد فيه الأيمان يميناً بعد يمين كقوله ((والله لا أنقصه من كذا وكذا يحلف بذلك مراراً ثلاثة أو أكثر من ذلك قال فكفارة ذلك واحدة مثل كفارة اليمين))(٣٥).
المذهب الشافعي: قلت أن الشافعية قولين كالمذهبين في هذه المسألة نقلهما النووي رحمه الله تعالى في الروضة قال: اذا قال عليّ عهدُ اللَّهِ وميثاقُه، وذمتُه، وأمانتُه، وكفالتُه، فإن نوى اليمين فيمين، أو أراد غير اليمين فليس بيمين، وإن أطلق فوجهان للعادة والغالب والأصح
(٣٢) الکرخي مرت ترجمته في ص ٢٩
(٣٣) البدائع ١٠/٣ الطبعة الأولى طبع بمطبعة الجمالية بمصر.
(٣٤) أسهل المدارك جـ ٣٠/٢ /٣١ باختصار التجارية المتحدة.
(٣٥) الموطأ جـ ٤٧٨/١ عيسى البابي الحلبي.