رابعا، المذهب الحنبلى: ((ذكر ابن قدامة أن الخلاف في إجارة العين الغائبة مبني على الخلاف في بيع الغائب(٣٤) وبناء عليه فإن أحمد رضي الله عنه والشافعي قالا لابد من الرؤية. وذهب الحنفية والمالكية إلى جواز إجارة العين الغائبة اعتماداً على الوصف وهو قول في المذهب الشافعي وظاهر المذهب الحنبلي، وله خيار الرؤية عند الحنفية.
ومن فروعها في الإجارة ما ذكره ابن قدامة رحمه الله في كراء العقب(٣٥) وملخصها إذا أراد اثنان كراء دابة جاز بشرط أن يرى الراكبين أو يوصفان له، قال لأن المعرفة بالوصف تقوم مقام الرؤية في الراكبين إذا وصفهما بما يختلفان به في الطول والقصر، والهزال والأنوثة. وقال الشريف أبو جعفر(٣٦) وأبو الخطاب(٣٧) لابد من معرفة الراكبين بالرؤية. لأنه يختلف بثقله وخفته وسكونه وحركته ولا ينضبط بالوصف. فيجب تعينه وهذا مذهب الشافعي. ولهم في المحمل وجه أنه لا تكفي فيه الصفة ويجب تعينه.
وحجة الجمهور أنه عقد معاوضة مضاف إلى حيوان فاكتفى فيه بالصفة كالبيع وكالمركوب في الإجارة ولأنه لو لم يُكتف فيه بالصفة لما جاز للراكب أن يقيم غيره مقامه. لأنه إنما يعلم كونه مثله لتساويهما في الصفات ولأن الوصف يكتفى به في البيع فاكتفى به في الإجارة كالرؤية والتفاوت بعد ذكر الصفات الظاهرة يسير تجري فيه المسامحة فيه كالسلم(٣٨).
ومن فروعها، السلم: وهو شراء آجل بعاجل ويسمى صاحب النقدين مسلم، وصاحب السلعة المؤجلة مسلم إليه، وتسمى السلعة مسلم فيه، ويسمى الثمن رأس المال. ولا يشترط أن يكون بلفظ السلم بل ينعقد بلفظ البيع(٣٩).
هذا تعريف الحنفية، وعرفه المالكية بأنه عقد معاوضة يوجب عمارة ذمة بغير عين ولا منفعة غير متماثل العوضين(٤٠).
(٣٤) انظر المغني لابن قدامة ج ٤٤٩/٥. وانظر كشاف القناع ج ٧/٤.
(٣٥) وهو أن يستأجر اثنان مثلا دابة يتعاقبان عليها كل واحد منهما نوبة معلومة.
(٣٦) الشريف أبو جعفر مرت ترجمته في ص ٧٦.
(٣٧) أبو الخطاب مرت ترجمته في ص ٦٨.
(٣٨) المغني لابن قدامة ج ٥٢٠/٥.
(٣٩) الدر المختار شرح تنوير الأبصار ج ٢٠٩/٥.
(٤٠) مواهب الجليل للخطاب ج ٤ /٥١٤.