قال ابن المنذر(١١) : هذا من قول النعمان شاذ لم يسبقه أحد اليه ولا تبعه أحد عليه وهو محال من الكلام وكذب يقيناً ولو جاز هذا لجاز أن يقول الرجل لطفل هذا أبي، ولأنه لو قال لزوجته وهي أسن منه هذه ابنتي، أو قال لها وهو أسن منها هذه أمي لم تطلق كذا هنا (١٢).
ومن فروعها، إذا قال لزوجته وهي معروفة النسب من غيره: هذه ابنتي، لا تقع الفرقة بينهما. وموجب هذا الكلام اثبات النسب وقد صار مكذباً فيه شرعاً فيقع كلامه لغواً عند جميع الفقهاء حتى عند الإمام أبي حنيفة رحمه الله. فأما الغاؤه عند الجمهور فظاهر وهو تكذيب الشرع له وقد تقدم قول الجمهور ان من شروط صحة النسب ان لا يكذبه الحس، أو العادة، أو الشرع.
وأما عند الامام أبي حنيفة رحمه الله فلأنه ليس بكلام موجب بطريق الاقرار في ملكه انما موجبه اثبات النسب فقد كذبه الشرع فيقع لغواً وهذه الصورة لا تنقاس على التي قبلها عند الإمام أبي حنيفة رحمه الله. لأن الصورة التي قبلها يتصور فيها الاقرار بالحرية مجازاً من حين ملكه له أما الزوجة فهي غير مملوكة له فلا يتصور فيها هذا الاقرار فيقع كلامه لغواً.
وأما عدم بينونتها منه فلأن التبنية لا توجب الفرقة ولكنها تنافي النكاح أصلاً واللفظ متی صار مجازاً عن غيره يجعل قائماً مقام ذلك اللفظ فكأنه قال ما تزوجتها، أو ما كان بينها وبيني نكاح قط. وذلك لا يوجب الفرقة وكذلك لا تثبت به حرمتها عليه على وجه ينتفي به النكاح لأن في حكم الحرمة هذا، الاقرار عليها لا على نفسه والعين هي التي تتصف بالحرمة وهو مكذب شرعاً في اقراره على غيره(١٣).
ومن فروعها، كل دعوى يكذبها الحس، كما لو ادعى صحيح اليدين على آخر أنه قطع يده ويطلب منه الدية، ومثله الاقرار فلو قال قطعت يدك ويداه صحيحتان وقع الكلام لغواً(١٤) ولا يخالف أحد من العقلاء في هذا لأنه مكذب في العقل والحس، والعادة اذ العقل
(١١) ابن المنذر هو محمد بن ابراهيم الشافعي النيسابوري المكنى بأبى بكر، ونيسابور مدينة من مدن خراسان من مؤلفاته كتاب اثبات القياس، وكتاب الاجماع توفي سنة ٣٠٩، انظر ترجمته في الفتح المبين للمراغي ١٦٨/١ الطبعة الثانية.
(١٢) المغني لابن قدامة: ٣٣٢/٩.
(١٣) أصول السرخسي ج ١٨٧/١ دار المعرفة للطباعة والنشر. وانظر المجموع للنووي ج ٣٠٧/٢٠، الناشر مكتبة الارشاد بجدة.
(١٤) شرح المجلة للأتاسي ١٦٢/١.