وقال في موضع آخر (( فلو كذبه الحس بأن كان في سن لا يتصور أن يولد لمثله بأن كان أكبر منه سناً، أو في حالة لا يتصور أن يولد لمثله بأن كان قطع ذكره وأنثياه قبل زمن العلوق بذلك الولد كان إقراره لغواً بالنسبة للنسب لا للعتق (٣٥٦) فالشافعية يوافقون الحنفية في ثبوت العتق لا النسب في حالة ما اذا أمكن أن يولد مثله لمثله وكان معروف النسب من غيره، وانما لم يثبت نسبه لأن اشتهار نسب العبد من غيره دليل على كذب السيد ومخالفته للواقع فيقع كلامه لغواً، والله أعلم.
المذهب الحنبلي: والحنابلة يوافقون الجمهور في هذين الشرطين فإن فقد هذان الشرطان فلا يثبت عند الحنابلة عتق ولا نسب.
فقال ابن قدامة رحمه الله: ((فإن قال لعبده الأكبر منه سناً أو لمن لا يولد مثله لمثله: هذا ابني مثل أن يقول من له عشرون سنة لمن له خمس عشرة سنة هذا ابني لم يعتق عليه ولم يثبت نسبه، وقال أبو حنيفة يعتق وخرجه أبو الخطاب وجهاً لنا، لأنه اعترف بما تثبت حريته فأشبه ما لو أقرَّ بها(٣٥٧).
علم مما سبق أن الفقهاء مجموعون على أنَّ من قال لعبده هذا ابني وكان يولد مثله لمثله وغير معروف النسب من غيره أنه يعتق عليه ويلحق به لأن كلام العاقل يصان عن الالغاء ما أمكن، وأمكن حمله مجازاً عن الاعتاق ومن هنا وجدنا الفقهاء يحملونه على العتق لئلا يفضي كلام السيد الى الاهمال والالغاء ولأن بالحمل على المجاز فائدة شرعية وحكم شرعي وهو تحرير العبد من الرق، فكان الحمل عليه أولى، لأن اعمال الكلام أولى من اهماله.
أما الصورة التي وعدت أن أبين مذهب العلماء فيها فهي ما إذا كان العبد معروف النسب من غيره فإن الامام أبا حنيفة رضي الله عنه يرى عدم ثبوت النسب لكن يثبت عنده العتق وأما الصاحبان فقالا إن تصور النسب عتق والا فلا وعند الشافعية اذا كان معروف النسب من غيره انتفى النسب وثبت العتق وخالف في هذه المسألة المالكية والحنابلة.
الاستدلال:
استدل الامام أبو حنيفة رحمه الله على ما ذهب إليه بالقاعدة الكلية حيث قال: إن كلام العاقل المتدين يحمل على الصحة، والسداد ما أمكن، لاعتبار عقله ودينه، دلالة. وأمكن
(٣٥٦) المرجع السابق ج ٤٤٧/٣ دار إحياء التراث العربي.
(٣٥٧) المغني والشرح الكبير ج ٢٣٧/١٢ .