194

Al-qāʿida al-kulliyya iʿmāl al-kalām awlā min ihmālihi wa-atharuhā fī al-uṣūl

القاعدة الكلية إعمال الكلام أولى من إهماله وأثرها في الأصول

Publisher

المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر

Edition

الأولى

Publication Year

1406 AH

Publisher Location

بيروت

Regions
Lebanon

إن شاء الله دخول المجاز فيه، وبهذا أكون قد سلكت في هذه المسألة طريقاً وسطاً بين الإفراط والتفريط لأن محل النزاع في هذه المسألة هو دخول المجاز في أسماء الله وصفاته وأن الذين منعوا من دخول المجاز في كتاب الله هم في الحقيقة أرادوا قطع الطريق على الذين يتخذون من دخول المجاز في القرآن ذريعة لتأويل الآيات الدالة على أسماء الله وصفاته بتأويلات بعيدة دون علم أو برهان فيحصل من المفاسد ما لا يحمد عقباه ونحن لا نقول بالمجاز فيما لا يصح تأويله من الأسماء والصفات أو لم ينقل عن السلف فيه تأويل صحيح على سنن اللغة لا للاستحالة العقلية في ذلك بل لورود الخبر من الشارع الحكيم بالإيمان بها كما جاءت دون تأويل ولا تعطيل، وانطلاقاً من القاعدة الإيمانية الصلبة التي عليها أهل الحق من هذه الأمة وهي أن نثبت الله ما أثبته لنفسه من اسم أو صفة دون تأويل أو تشبيه أو تعطيل، ويبقى ما وراء ذلك مجال واسع لدخول المجاز في القرآن.

فإذا تقرر هذا فأقول: أنه من الإنصاف بعد معرفة محل الخلاف في هذه المسألة ألاّ نسلك مسلك من فرَّطَ وقال لا مجاز في القرآن البتة بل ولا في لغات العرب، ولا مسلك من أفرط وقال أكثر اللغات مجاز كما قال ابن جني (٢٣٨) (٢٣٩) رحمه الله. أو الذين أطلقوا القول بالمجاز في كتاب الله وتوسعوا فيه بحيث شملوا آيات الأسماء، والصفات فأولوها بتأويلات فاسدة لم يرد فيها عن السلف ما يؤيدها وقد قدمتُ أنه ليس في دخول المجاز في القرآن ما يوجب حمل الحقائق على المجازات، ولو أَجْرَوْها على ظواهرها وأمرَؤُها كما جاءت دون تَقْيِيدها بما تمليه عليهم عقولهم القاصرة لكان خيراً لهم وأقوم.

هذا وكل ما في كتاب الله تعالى من مِثْلِ قوله جل من قائل ﴿إنا عرضنا الأمانة على السموات، والأرض، والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها﴾ (٢٤٠) وقول السموات والأرض ﴿أتينا طائعين﴾(٢٤١) إن مثل هذا حقيقة، لأن الله قادر على إنطاقها لقوله جل جلاله ﴿وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيءٍ﴾ (٢٤٢).

(٢٣٨) مرت ترجمته في ص ٩٩.
(٢٣٩) انظر الخصائص لابن جني ج ٢/٤٤٧ مطبعة دار الكتب المصرية.
(٢٤٠) الأحزاب (٧٢).
(٢٤١) فصلت (١١).
(٢٤٢) فصلت (٢١).

192