الأهواء والضلالات في تأويل أكثر الآيات وكذلك من جهة وجود المجاز في التوراة والإنجيل، والزبور غلط اليهود والنصارى. في تأويل كثير منه، وقد قال بعض علمائنا إن القَدْريةَ قد ركبوا هذا فحملوا آياتٍ كثيرةً من القرآن هي حقائق على المجازات كقوله تعالى ﴿إنما أمرهُ إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون﴾ (٢٣٢) فقالوا ليس فيه دليل على كونه حقيقة وإنما هو إخبار عن سرعة إيجاده لأفعالهم.
وقالوا في قوله تعالى ﴿قالتا أتينا طائعين﴾(٢٣٣) إن هذا مجاز نحو امتلاء الحوض وأنكروا أيضاً قول جهنم ﴿هل من مزيد﴾(٢٣٤) وقوله تعالى ﴿تدعوا من أدبر وتولى﴾ (٢٣٥) وزعموا أن معناه يصير من أدبر وتولى إليها وهذه تأويلات استنبطوها على قواعدهم الفاسدة وليس في دخول المجاز في القرآن ما يوجب تأويل الحقائق على المجاز.
وقول السموات والأرض عند علمائنا حقيقة وإنما اختلفوا في صفة الحقيقة فقال الأشعري الحياة شرط في النطق يخلق الله فيها الحياة في وقت نطقها. ومن الأصحاب من لم يشترط الحياة في الكلام وأجازوا وجود الكلام من الجمادات بأن يخلق الله فيها الكلام (٢٣٦).
وللزركشي نفسه - رحمه الله تعالى - في البرهان كلامٌ قريب من هذا الكلام الذي نقله في البحر وبمعنى واحد حيث قال في معرض كلامه عن الحقيقة («لا خلاف أن كتاب الله يشتمل على الحقائق وهي كل كلام بقي على موضعه كالآيات التي لم يتجوز فيها والآيات الناطقة ظواهرها بوجود الله وتنزيهه والدالة على أسمائه وصفاته (٢٣٧). فهذان النصان يدلان دلالة واضحة على عدم التوسع بالمجاز في القرآن بحيث نطلقه في أسماء الله وصفاته التي لم يصح فيها عن السلف تأويل صحيح، أما ما صح تأويله وكان المراد منه غير ظاهره فلا يبعد
= بطرطوشة بضم الطاءين بينهما راء ساكنة آخر بلاد المسلمين من الأندلس سنة ٤٥١ وتوفي سنة ٥٢٠ هـ بالأسكندرية ودفن فيها من أشهر مؤلفاته مسائل الخلاف في أصول الفقه ((الفتح المبين)) ج ١٩/٢ طبعة ثانية.
(٢٣٢) يس (٨٢).
(٢٣٣) فصلت (١١).
(٢٣٤) ق (٣٠).
(٢٣٥) المعارج. (١٧).
(٢٣٦) البحر المحيط للزركشي ج ١ ورقة ١٧٩.
(٢٣٧) البرهان للزركشي: ج ٢ ص ٢٥٤.