188

Al-qāʿida al-kulliyya iʿmāl al-kalām awlā min ihmālihi wa-atharuhā fī al-uṣūl

القاعدة الكلية إعمال الكلام أولى من إهماله وأثرها في الأصول

Publisher

المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر

Edition

الأولى

Publication Year

1406 AH

Publisher Location

بيروت

Regions
Lebanon

الآيات قبلها لا يختلف أهل العلم باللسان أنهم إنما يخاطبون إياهم بمسألة أهل القرية وأهل العير لأن القرية والعير لا ينبئان عن صدقهم)) ١ هـ(٢٠٢).

فالشافعي نزل سؤالهم القرية على سؤال أهلها، والسبب أن الجدران والعير لا ينبئان عن صدقهم. فسؤالهم إذا للقرية مجاز عن أهلها. ولم يقصد أن القرية هي الناس فقط وإلا لم يقدر كلمة - أهل - ولم يقل بعد ذلك، لأن الجدران والعير لا ينبئان عن صدقهم. بل قال هذا لأنه يعلم أن القرية في اللغة تطلق على الناس وعلى المساكن أيضاً. فأخرج المساكن والجدران من السؤال وأبقاه في أهل القرية وقال أن مثل هذا مفهوم عند أهل اللغة. ولأن لفظ القرية يطلق على مساكن لا ناس فيها كقوله تعالى ﴿أو كالذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها. قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها﴾(٢٠٣) ولم يكن فيها أحياء من الناس. وهذا يدل على أن القرية تطلق على الجدران، لكن لما كانت الجدران لا تعقل قدرنا كلمة («أهل)).

وأيضاً فإن المجاز من الذي يدل ظاهره على باطنه، فإذا قلت اشتعل رأسي شيباً، ظاهره الاشتعال من النار وباطنه انتشار الشعر الأبيض في الرأس. وإذا قلت جداراً يريد أن ينقض ظاهره أن للجدار إرادة وهي الميل مع الشعور وباطنه الإشراف على الوقوع وهكذا في كل المجازات. فإذا ثبت هذا نقول الخلاف في التسمية لا يضر فسواء سمي مجازاً أم لفظاً يدل ظاهره على باطنه أم غير ذلك فكله اصطلاح في التسمية ولا مشاحة في الاصطلاح.

وإذا سلم أن الشافعي رضي الله عنه لم يقسم الكلام إلى حقيقة ومجاز فلأن مباحث الحقيقة والمجاز ليست من المباحث الأصولية الأصلية عند كثير من علماء الأصول. إلا أنها بحثت أخيراً في علم أصول الفقه وأدخلت فيه لأنه قد يحتاج إليها الأصولي شأنها شأن حروف المعاني إذ الأصل فيها أنها من المباحث اللغوية لا شأن لها بعلم الأصول. وقد صرح علماء الأصول بذلك. في باب حروف المعاني فقالوا («باب في الحروف التي تشتد الحاجة إلى معرفتها ويقبح الجهل بها)).

ولذلك فإن الشافعي، على فرض أنه لم يتكلم بالاستعمال المجازي، ربما رأى أن مباحث الحقيقة والمجاز ليست من المباحث الأصولية وبخاصة في أول مصنف في هذا الفن.

(٢٠٢) الرسالة للشافعي فقرة (٢١٢) و(٢١٣) ص ٢٤ المحققة.

(٢٠٣) البقرة (٢٥٩).

186