أذكروا أن يكون أحد قد نطق بهذا التقسيم قالوا: إن معنى قول أحمد من مجاز اللغة أي مما يجوز في اللغة، أن يقول الواحد العظيم الذي له أعوان نحن فعلنا ولم يرد أحمد أن اللفظ استعمل في غير ما وضع له، ثم قال أخيراً: وهذا أي التقسيم إلى حقيقة ومجاز يصح لو علم أن الألفاظ العربية وضعت أولاً لمعان ثم بعد ذلك استعملت فيها. وهذا يصح على قول من يقول: إن اللغات اصطلاحية فيدعي أن قوماً من العقلاء اجتمعوا واصطلحوا هذا بكذا وهذا بكذا.
ثم قال: والشافعي أول من جرد كتاباً في الأصول ولم يقسم هذا التقسيم ١ هـ(١٤١).
هذه الأدلة التي أوردتها هي من أهم ما استدل به شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. وهناك أدلة أخرى كثيرة عدلت عن ذكرها حذراً من التطويل والخروج عن الموضوع.
مناقشة هذه الأدلة:
إن اعتراض شيخ الإسلام رحمه الله على هذا التقسيم لا يخلو من أمرين:
الأول، إما لكونه تقسيماً اصطلاحياً.
الثاني، وإما لكونه اصطلاحاً حادثاً في القرون الثلاثة أو بعدها على حد قوله، والثاني هو الأقرب، وعلى كل حال فإن كان منشأ الاعتراض على هذا التقسيم لكونه اصطلاحياً فإن معظم العلوم والفنون سواء كانت عقلية أم شرعية، أم لغوية لا يعدو كونها علوماً اصطلاحية قائمة على ضوابط وقواعد اصطلاحية ومقسمة تقسيماً اصطلاحياً ولم تكن معروفة بهذه الضوابط والقواعد والتقسيمات وأقرب مثال على ذلك علم النحو مثلاً وما يشتمل عليه من اصطلاحات وقواعد، كالفاعل مرفوع، والمفعول به منصوب، والمبتدأ والخبر وكذلك علم التجويد وما يشتمل عليه من قواعد، اصطلاحية كالإظهار، والإدغام والإقلاب، والمدود ومخارج الحروف، وصفاتها كلها أسماء اصطلاحية وتقسيمات اصطلاحية لم تكن معروفة عند السلف الأول بهذه الألقاب والمسميات وإن كانوا ينطقون بها ويطبقونها في كلامهم بمقتضى السليقة والفطرة فالعرب يرفعون الفاعل، وينصبون المفعول، ويجرون الاسم إذا وقع بعد حرف جر بمقتضى سليقتهم وفطرتهم حتى أنهم لو سئلوا عن تعريف الفاعل أو المفعول بالمعنى المصطلح عليه الآن، أو سئلوا عن تعريف الإظهار أو الإدغام لما عرفوا هذه التسميات بهذه المصطلحات لأنها حدثت بعدهم ومع ذلك فإنهم يطبقونها في قراءتهم وفي كلامهم.
(١٤١) انظر كتاب الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية ج ٨٧/٨ /٠٨٩