الأول القطع بوجوده في اللغة بالاستقراء.
الثاني القطع بوجوده في القرآن والسنة.
أما الوجه الأول فقد قالوا إنه ثبت في اللغة استعمال اللفظ في غير ما وضع له أولاً. كإطلاق الأسد على الرجل الشجاع والحمار على البليد، وقولهم ظهر الطريق، ومتنها، وفلان على جناح السفر وشابت لمة الليل، وقامت الحرب على ساق، وكبد السماء إلى غير ذلك، وإطلاق هذه الأسماء لغة مما لا ينكر إلا عن عناد، وعند ذلك فإما أن يقال إن هذه الأسماء حقيقة في هذه الصور أو مجازية. لاستحالة خلو الأسماء اللغوية عنها.
ولا جائز أن يقال إنها حقيقة فيها لأنها حقيقة فيما سواها بالاتفاق فإن لفظ الأسد حقيقة في السبع والحمار في البهيمة المخصوصة.
والظهر والمتن، والساق، والكبد في الأعضاء المخصوصة في الحيوان واللمة في الشعر إذا جاوز شحمة الأذن. وعند ذلك فلو كانت هذه الأسماء حقيقة فيما ذكر من الصور لكان اللفظ مشتركاً ولو كان مشتركاً لما سبق إلى الفهم عند إطلاق هذه الألفاظ البعض دون البعض ضرورة التساوي في الدلالة الحقيقية. ولا شك أن السابق إلى الفهم من إطلاق لفظ الأسد إنما هو السبع، ومن إطلاق الحمار إنما هو البهيمة وكذلك في باقي الصور. كيف وأن أهل الأمصار في مختلف الأعصار لم تزل تتناقل في أقوالها وكتبها عن أهل الوضع تسمية هذا حقيقة وهذا مجاز(٥٥).
هذا ولغة العرب مشحونة بـ المجازات وقد صنف الزمخشري(٥٦) كتاباً سماه أساس البلاغة هذا الكتاب حافل بالمجازات، حتى لا تكاد تخلو كلمة عربية من استعمالها مجازياً، فمن الأمثلة - كلمة - تَّيْسَ(٥٧)، وضعت هذه الكلمة في أصل اللغة للعنز ذي القرنين الطويلين ومنه قولهم عنز تيساء إذا كان قرناها طويلتين كالتيس، ثم انتقلت إلى الماء إذا تناطحت أمواجه من قولهم تتايس الماء إذا تناطحت أمواجه وبينهم متايسة أي مناطحة.
(٥٥) الأحكام في أصول الأحكام للآمدي ٦٢/١ /٦٢ والعضد على ابن الحاجب ١٧١/١.
(٥٦) الزمخشري هو محمود بن عمر بن محمد الخوارزمي الزمخشري من أئمة العلم بالتفسير واللغة والأدب معتزلي العقيدة من أشهر مصنفاته أساس البلاغة والكشاف في التفسير ولد بزغشر من قرى خوارزم سنة ٤٦٧ وتوفي بالجرجانية سنة ٥٣٨. الأعلام للزركلي ج ٥/٨ واللباب في تهذيب الأنساب للجزري ٧٤/٢.
(٥٧) انظر كلمة تيس، من أساس البلاغة.