الاستدلال
استدل الجمهور، بأن البيت اسم لما بني للسكن، ولهذا يقال بيت فلان، يراد مسكنه، والمسجد وبيت الحمام لم يسميا بيتاً لذلك، فلم يتصرف الاطلاق إليه.
وأما قوله تعالى ﴿في بيوت﴾ فالمراد بتسمية المساجد بيوتاً تسمية مجازية لا حقيقية، واليمين تنصرف إلى الحقيقة دون المجاز، هذا في البيت المبني من الطين أو الآجر، لكن لو دخل بيتاً من الشعر أو الصوف أو الأدم، فأكثر أصحاب الشافعي رضي الله عنه على أنه يحنث، لكن ما هو الدليل؟ اختلفوا في تعليله.
فقال أبو إسحاق(٢٠٥) إنما يحنث لأنه يسمى في البادية بيتاً، وإذا ثبت لشيء عرف في موضع ثبت له في جميع المواضع، لذلك لو حلف العراقي، لا يأكل الخبز فأكل خبز الأرز حنث وان كان ذلك غير متعارف في حقهم، وإنما متعارف في حق الطبري(٢٠٦) ومنهم من علله، لأن هذه البيوت، المتخذة من هذه الأشياء، تسمى بيوتاً حقيقة.
وأما تسميتها خيمة أو مضرباً إنما هو اسم للنوع فهو مجاز، واسم البيت حقيقة يشمل الكل، واليمين تحمل على الحقائق، لأنها الأصل في الكلام والتعليل الأول لا يصح، لأنه يلزمه أن يقول: إذا حلف لا يركب دابة أن يحنث بركوب الحمار، لأنه دابة عند المصريين، أو بركوب كل ما دب على وجه الأرض عند أهل اللغة، والتعليل الثاني لا يستقيم لأن الله سمى المساجد بيوتاً. ومع هذا لا يحنث بدخولها(٢٠٧) وأرى والله أعلم أن التعليل الصحيح هو القاعدة التي تنص على أن الأصل في الكلام الحقيقة)) وهذه الأنواع من البيوت يطلق عليها في عرف ساكنيها أنها بيوت ولأنها معدة للسكنى، وقد سمعتُ من الذين يسكنون بيوت الشعر أنهم يطلقون عليها اسم البيوت، والأصل في هذا الاطلاق الحقيقة، وكذلك فإن المعتبر في تسميتها العرف، وبخاصة عرف أصحابها.
(٢٠٥) هو ابراهيم بن علي بن يوسف المكنى بأبي اسحاق الفقيه الأصولي الشافعي صاحب التبصرة في الأصول واللمع والمهذب في الفقه توفي سنة ٤٧٦ انظر ترجمته في طبقات الأصوليين ج ٢٥٥/١ طبعة ثانية.
(٢٠٦) الطبري: هنا نسبه إلى طبرستان، أما طبريا التي في فلسطين أعادها الله إلينا، فالنسبة إليها طبراني، على غير قياس، وإليها ينسب صاحب المعاجم الثلاثة. أما طبرستان فينسب إليها الامام الطبري المفسر الكبير، وأهل طبرستان كانوا يصنعون الخبز من الأرز، ومراد المصنف ان غير الطبري إذا حلف لا يأكل الخبز فإنه يحنث بأكل شيء تعورف عليه انه خبز، وان لم يكن خبزاً في عرفه: من شرح المهذب ج ٣١٦/١٦ والتي بعدها.
(٢٠٧) المجموع شرح المهذب ج ٣١٥/١٦ والتي بعدها.