فالذي ذهب إليه الحنابلة، ومعهم المالكية أن الإِيمان مرجعها إلى نية صاحبها. وعليه فإذا نوى بيمينه ما يحتمله انصرفت يمينه إليه سواء كان ما نواه موافقاً لظاهر اللفظ أو مخالفاً له، مثال الموافق أن ينوي باللفظ موضوعه وغرضه الأصلي وهو ما يتبادر إلى الأذهان، كأن يريد باللفظ العام العموم، وبالمطلق الاطلاق وهكذا.
ومثال المخالف، أن ينوي بالعام الخاص، كأن يحلف أن لا يأكل لحماً، وقصده لحماً معيناً أو فاكهة معينة، أو أن يحلف أن لا يفعل شيئاً ما مطلقاً، وينوي زمناً معيناً كيوم أو شهر، أو يريد بالخاص العام، كأن يحلف لا يشرب له ماء من عطش وينوي قطع كل ماله فيه منة، فالحنابلة والإمام مالك يرون أن هذه الإِيمان كلها ترجع إلى نية الحالف فإن لم تكن له نية فعلى الباعث ويسمونه البساط وان لم يكن هناك باعث فعلى العرف وإلا فعلى اللغة أي الوضع اللغوي (١٥٥).
وقال أبو حنيفة، والشافعي رضي الله عنهما، لا عبرة بالنية، والسبب فيما يخالف لفظه لأن الحنث مخالفة ما عقد عليه اليمين، واليمين لفظه فلو احنثناه على ما سواه لأحتثناه على ما نوى، لا على ما حلف، ولأن النية بمجردها لا تنعقد بها اليمين فكذلك لا يحنث بمخالفتها.
حجة الحنابلة: واحتج الحنابلة بأنه قصد بكلامه ما يحتمله ويسوغ في اللغة التعبير به فينصرف اليمين إليه كالمعاريض. ولذلك جاء في القرآن التعبير بالخاص عن العام قال تعالى ﴿ما يملكون من قطمير﴾ (١٥٦) وقال ﴿ولايظلمون فتيلاً﴾ (١٥٧) وقال ﴿وإذا لا يأتون الناس نقيراً﴾ (١٥٨) وقال ﴿والذين قال لهم الناس﴾ يعني رجلاً واحداً ان الناس قد جمعوا لكم(١٥٩) يعني أبا سفيان، ولقول النبي ((ولكل امرىء ما نوى))(١٦٠) ولأن كلام الشارع يحمل على مراده وإذا ثبت هذا بالدليل فكذا كلام غيره.
وقولهم إن الحنث مخالفة ما عقد عليه اليمين، قلنا: وهذا كذلك فإنما انعقدت اليمين
(١٥٥) اسهل المدارك ج ٢ ص ٢٣.
(١٥٦) فاطر (١٣).
(١٥٧) النساء (٤٩).
(١٥٨) النساء (٥٣).
(١٥٩) آل عمران (١٧٣).
(١٦٠) الحديث: رواه البخاري بسنده عن عمر بن الخطاب بلفظه، صحيح البخاري كتاب الايمان ١ باب/ ٤١.