لكنَّ صاحب المهذب ساق رواية أخرى لهذا البيت وهي، كل الأرامل قد قضيت حاجتهم وعلى هذا فإن لفظ الأرمل يشمل الذكر والأنثى إذ لا خلاف بين أهل اللسان أن اللفظ متى كان للذكر والأنثى ثم رد عليه ضمير غلب فيه لفظ التذكير وضميره. وهذا يؤيد الوجه القائل بشمول الوصية لأرامل الرجال، فيكون أرامل جمع أرمل كأكابر وأعاظم وأصاغر وأسافل، جمع أكبر وأعظم وأصغر وأسفل، والمذهب الأول هو الراجح في نظري والله أعلم، وذلك للأسباب الآتية:
أولاً، لاختصاص لفظ الأرامل بالنساء، بشهادة العرف، وان سُلَّم أن لفظ الأرمل يشترك فيه الذكر والأنثى، إلا أن استعماله في الذكر هُجر تماماً حتى صار نسياً منسياً، ولهذا إذا أُطلق لم يتبادر منه إلّ الأنثى فقط وهذا القدر كافٍ في استعماله فيهن على سبيل الحقيقة.
ثانياً، لاحتمال ضعف الرواية الثانية التي جاءت بضمير المذكر، والذي يدل على ضعفها هو نكير العلماء وبخاصة اللغويين منهم، كالخليل بن أحمد استاذ سيبويه. ومحمد بن الحسن أعلم أهل زمانه باللغة، وابن الانباري، على من احتج بهذا البيت زاعماً أن لفظ الأرمل يطلق على الرجل والمرأة وقولهم إن لفظ الأرمل لا يطلق على الرجال إلا في الشعر تجوزاً، ولو صح عندهم هذا الاطلاق، لما كان هذا النكير، فبهذا أستدلُ على أن الرواية الأولى التي جاءت بضمير المؤنث هي الرواية الصحيحة والله أعلم.
ومن فروعها، الوصية، لأبکار بني فلان كأن يوصي لكل بكر من بني زهرة مثلاً فلا تدخل المصابة بالفجور في حكم الوصية، لأن حقيقة البكر في المرأة ما في باطن فرجها من نسج وقد انخرق بالزنا، وقيد الفجور لا بد منه لأن، البكارة لو زالت بوثبة أو حيضة، أو تعنيس أو جراحة أو نحوها تدخل في الوصية (١٤٢).
وهل يدخل الرجال غير المتزوجين في الوصية بناء على صحة اطلاق البكر عليهم؟ كقولهصلى الله عليه وسلم . البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام(١٤٣).
(١٤٢) أصول الشاشي وشرحه عمدة الحواشي /٤٨.
(١٤٣) الحديث: رواه مسلم وتمامه («خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مئة ونفي سنة والثيب بالثيب جلد مئة والرجم، ورواه أبو داود عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول اللـه ل خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب جلد مئة ورمي بالحجارة، والبكر بالبكر جلد مئة ونفي سنة، سنن أبي داود كتاب الحدود/٣٢ باب/٢٣ ملاحظة الجلد في حق الثيب منسوخ بحديث السبب، ولأن الرسول رجم ماعزاً ولم يجلده.