ثم تولى تفهيمها الناس، وإذا قيل كيف تولى الشارع تفهيمها الناس (قيل)، حصل تفهيمها بطريقين، الأول بالنص، والثاني بالتكرار. فمثال الأول قوله ﷺ ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) (١١٣) وقوله ((خذوا عني مناسككم)) (١١٤).
والمراد بالصلاة هنا الشرعية ذات الأركان المعروفة لا مطلق الدعاء لأن الأمر هنا للوجوب، فيصرف للصلاة الشرعية لوجوب اتباع النبي ﷺ فيها. أما الصلاة التي بمعنى الدعاء فليس واجباً فيها اتباع النبي ﷺ في صيغه وعباراته بل يجتهد الإنسان في الدعاء ويدعو بما شاء ما لم يدع بظلم أو نحوه.
والطريق الثاني مشاهدتهم للنبي، وتكراره لفظ الصلاة لذات الأركان ولقوله للأعرابي المسيء صلاته ((ارجع فصل فإنك لم تصل ثلاثا)) (١١٥).
ووجه الدلالة من هذا الحديث أن الرجل أتى في صلاته من الأدعية بما يصدق عليه أنه مصلٍ لغةً، لكنه لم يحسن الإتيان بالصلاة الشرعية ذات الأركان الخاصة ومع ذلك فإن الرسول ﷺ نفى الصلاة بقوله لم تصل فظهر أن المكلف قد يأتي بأدعية ومع ذلك لا يوصف بأنه مصلٍ. وكذلك قد يطلق اسم الصلاة على الأفعال التي لا دعاء فيها كصلاة الأخرس بهذا يتضح لي والله أعلم أن الشارع قد نقل هذه الألفاظ عن معناها اللغوي إلى معناها الشرعي وهكذا يحتمل أن يقال في سائر الألفاظ المنقولة، لكن الذي يقوي مذهب الإمام أبي بكر في هذه المسألة هو أن المجاز إذا تعارض مع النقل قدم المجاز على ما سأبينه في أثر القاعدة الكلية في مواطن الترجيح إن شاء الله. ويقويه أيضاً أن المجاز إذا اشتهر وغلب صار حقيقة عرفية، كما سيأتي بيانه فتكون هذه الأسماء الشرعية مجازات اشتهرت فصارت حقائق عرفية إلا أن الشارع نقلها فأهمل معناها اللغوي بالكلية على ما سيأتي. مما سبق يتضح أن في هذه المسألة مذهبين لا ثالث لهما الأول أن هذه الألفاظ أصبحت حقائق شرعية بوضع الشارع لها وهو مذهب المعتزلة والثاني نفي ذلك ونسبته إلى القاضي أبي بكر الباقلاني.
(١١٣) الحديث، أخرجه أحمد في مسنده برواية صلوا كما تروني أصلي انظر المسند ج ٥٣/٥.
(١١٤) الحديث، رواه النسائي بلفظه عن جابر بن عبد الله وتمامه ((يا أيها الناس خذوا عني مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد عامي هذا))، سنن النسائي كتاب مناسك الحج رقم الباب / ٢٢٠ ورواه أحمد في مسنده ج ٣١٨/٣.
(١١٥) الحديث رواه البخاري ومسلم، انظر صحيح البخاري كتاب الأذان ٩٥/١٠ وصحيح مسلم كتاب الصلاة ٤٥ باب/١١.