وأيضاً فبعض الشيء غير الشيء، وإذا تعارضا تساقطا وسلم ما ذكرناه من الدليل، والظاهر من كلام البيضاوي أنه يخالف بقية أصحابه في هذه المسألة لأنه يسلّم للمعتزلة بأن المراد بالقرآن البعض وهو خلاف ما عليه الأصحاب، فإن الإِمام الشافعي رضي الله عنه نص على أن الرجل لو قال لعبد له متى متُ وأنت بمكة فأنت حر، ومتى قرأت القرآن فأنت حر، فمات السيد والعبد بمكة وقد قرأ القرآن كله كان حرًا. وإن مات والعبد ليس بمكة أو مات ولم يقرأ القرآن كله لم يعتق هذا لفظه (٩٠).
الوجه الثاني قالوا لا نسلم أنه يلزم من كون الألفاظ غير عربية أن لا يكون القرآن عربيًا فإن تلك الكلمات القلائل لا تخرج القرآن عن كونه عربيًا كما أن الكلمات العربية في القصيدة الفارسية لا تخرج القصيدة عن الفارسية.
وأجاب البيضاوي بأنها تخرجه عن كونه عربيًا كذا الكلمات العربية في القصيدة الفارسية تخرجها عن كونها فارسية والدليل على ذلك صحة الاستثناء بأن نقول القصيدة فارسية إلا موضع كذا منها فهو عربي(٩١).
الوجه الثالث قالوا إنه يكفي في كون هذه الألفاظ عربية استعمال العرب لها من حيث الجملة، وحينئذ فاستعمال الشارع لها في غير المعنى اللغوي لا يخرجها عن ذلك.
وأجاب البيضاوي بأن المقدار غير كاف بأنها عربية، لأن تخصيص الألفاظ باللغات بحسب دلالتها على معانيها فإن كانت دلالتها من جهة لغة العرب كانت عربية، وإلا فلا، ولا شك بأن تلك الألفاظ لا تدل على معانيها من تلك الحيثية.
الوجه الرابع قالوا لو صح ما ذكرتم لزم أن لا يشتمل القرآن على لفظ غير عربي، وليس كذلك، فإن المشكاة، والقسطاس، والاستبرق، والسجيل كلمات أعجمية وهي في القرآن.
وأجاب البيضاوي، بأنا لا نسلم بأن هذه الألفاظ غير عربية بل غايته أن وضع العرب فيها وافق لغة أخرى، كالصابون، والتنور وأن اللغات فيها متفقة(٩٢).
(٩٠) الإمام الشافعي ج ٧ باب جامع الترتيب / وانظر الابهاج ٢٨٠/١ ومثله في: الأحكام للآمدي ٥٠/١ وشرح العضد ١٦٥/١.
(٩١) الابهاج السابق نفس الجزء والصفحة.
(٩٢) الابهاج، جـ ١ /٢٨٠.