162

Al-maqālāt waʾl-firaq

المقالات والفرق

Editor

محمد جواد مشكور

Publisher

مطبعة حيدري

Publication Year

1341 AH

Publisher Location

طهران

اعلم أن المقياس الذي يردّ المسلم أفعاله ويبني عليه أحكامه، إذا لم يحكمه سلطان العرف، هو كلام الله المنزل في القرآن ثمّ الناسى بنبيّه، وبعد أن توفّى النبيّ جرى العمل بسنته في الأمور التي لم ينزل فيها نص كتاب ثمّ أخذ عدد الوقائع الجزئية يزداد كل يوم. وهي وقائع لم ترد فيها نصوص ولم يكن للمسلمين بدّ من الحكم فيها، إما بما يتفق مع العرف الموروث أو بما يهديهم إليه الرأي الاجتهادي ولا بدّ أن يكون القانون الروماني قد ظلَّ زماناً طويلاً يؤثر تأثيراً كبيراً في ذلك في الشام والعراق وسمى الفقهاء الذين جعلوا لرأيهم شأناً في إصرار الحكم إلى جانب الكتاب والسنة ((أهل الرأي)) وإمامهم أبو حنيفة (٨٠ - ١٥٠ هـ) على أن الفقهاء في المدينة نفسها كانوا، قبل ظهور مذهب مالك (٩٥ - ١٨٩ هـ)، يستعملون الرأي استعمالاً لم يكن به بأس، وإن كان قليل المدى، وكذلك استعمله أهل المذهب المالكي أنفسهم. ولكن لما بدأ الناس يعرضون عن الرأي بالتدريج بعد أن أصبح تعلة لأحكام تقوم على الهوى، قوى مذهب القائلين بوجوب الرجوع في كل شيء إلى الحديث المبيّن للسنّة النبوية، فجمعت الأحاديث من كل صوب، وأوّلت بل وضع الكثير منها، وقرّرت قواعد وأصول يعتمد عليها في تمييز صحيح الأحاديث من موضوعها وسقيمها.

وكان من أثر هذا التطور أن ظهر فريقان: فريق أهل الرأي وأكثر ما يكون في العراق، وفريق أهل الحديث أو أهل المدينة ثم إن الشافعي (١٥٠ - ٢٠٤ هـ) كان يعتمد في أكثر أمره على السنّة - وجعل في عداد أهل الحديث، تميزاً له عن أبي حنيفة.

قال الشهرستاني: المجتهدون من أئمة الأمة محصورون في صنفين لا يعدوان إلى ثالث: أصحاب الحديث وأصحاب الرأي وإنما سموا أصحاب الرأي لأن عنايتهم بتحصيل وجه من القياس والمعنى المستنبط من الأحكام، وبناء الحوادث عليها وربما يقدمون القياس الجليّ على آحاد الأخبار، وأصحاب الرأي هم أهل العراق، أصحاب أبي حنيفة النعمان بن ثابت (الملل والنحل ١٦١ - ١٦٠) راجع أيضاً المعارف لابن

137