وإنما المقصود هنا شيء آخر، وهو أنه كما يمتنع أن يكون الشيء علة لنفسه معلولاً له، أو أن يكون الشيئين كذلك، فيمتنع أيضاً أن يكون جزء علة أو شرط علة، فإن جزء العلة وشرطها يجب أيضاً أن يتقدم المعلول، كما يجب تقدم ذات العلة، فيلزم ما تقدم من الدور الممتنع، لكن لا يمتنع أن يكون كلَّا منهما شرطاً للآخر، وتكون العلة أمراً غيرهما فيجوز أن يكون وجود أحد الشيئين مشروطاً بالآخر، وهو الدور المعـي(١).
ولا يجوز أن يكون شرطاً في علته لا الفاعلة ولا الغاية، وهو الدور القبلي (٢).
فالفاعلان المتعاونان يجوز أن يكون فعل [كل] واحد لما يفعله مشروطاً بالآخر، بحيث يكون لا يحصل إلا باجتماع الفعلين، كالأمور التي يعجز عنها الواحد في الآدميين، وإنما يقدر عليها عدد، ولكن لا يجوز أن يكون أحد المتعاونين مستفيداً لا يحتاج فيه إليه من الآخر المحتاج إلى/ مشاركته، فإذا كان كل منهما محتاجاً إلى معاونة الآخر لم يجز أن يكون الآخر، هو الفاعل لما يحتاج إليه، لاستلزامه أن يكون كل منهما معلولاً لذلك، فإنه إذا قدر أن أحدهما محتاج إلى شيء من المعونة، وأنه يستعين بالآخر على حصولها، فلو كان ذلك الآخر يستفيدها من الأول لم يكن هو قادراً عليها، فلا يعين، ولكان الأول قادراً عليها فلا يحتاج إليها، ولا يدخل في هذا ما يعين به أحدهما الآخر من الأسباب، مثل الآلات ونحوها، فذاك ليس من هذا.
[٨٠أ]
(١) تقدم شرحه (١٣٥/٢).
(٢) تقدم شرحه (١٣٥/٢).