لم يتبع هواه، فقد تقدم بالبرهان العقلي المعلوم من الآيات المرئية في الأنفس والآفاق ما يوافق ما شهد الله به في كتابه أن اتباع الهوى بغير هدى من الله ضلال عن ما ينفع العبد، وسمي ضلالاً، لأن متبع هواه إنما يقصد لذته بنيل ما تهواه، لكن ينبغي أن يعرف أن لذته ومنفعته ليست في نيل ما يهواه، إلا أن يكون بهدي من الله، وهو ما أمر به أو أباحه، دون ما نهى عنه وحظره، فإذا خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى.
والأهواء في الدين والآراء والاعتقادات والأذواق والعبادات أعظم من الأهواء في الدنيا.
وأكثر ما ذكر في القرآن من ذم اتباع الأهواء يتعلق بالقسم الأول، وإن كان أيضاً يتناول القسم الثاني، كما قال الله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦].
وإذا تبين ذلك، علم أن الإرادة لا بد أن تكون لها مقصود لذاته، خارج عن اللذة المنقضية، إذ اللذة المنقضية لا يجوز أن تكون مقصودة لذاتها، كما لا يجوز أن يكون القصد الحادث حادثاً بذاته، كما تقدم من أن ما يعقبه عدم لا يجوز أن يحدث بذاته، ومن المعلوم أن كل مقصود فإما أن يقصد لنفسه أو لغيره، وعلى التقديرين يلزم وجود الموجود بنفسه، وذلك أنه إذا قصد المقصود لغيره، فذلك الغير إما أن يكون مقصوداً لنفسه، فثبت المقصود لنفسه، وإما أن يكون مقصوداً لغيره، فإن كان الغير هو الأول لزم الدور (١)، وهو أن يكون هذا مقصوداً لأجل
(١) تقدم شرحه (١٣٥/٢).