الإنسان ويعلمه بعقله وفطرته ولهذا اتفق عقلاء الناس على أن الأمور المنقضية المنصرفة لا تكون هي غاية مقصود العامل ومنتهى مراده، لأنها إذا كانت منتهى قصده وإرادته، كان حاله بعد عدمها كحاله قبل وجودها، وإنما يقصدونها ليستعينوا بها على أمور غيرها.
ثم إن الزهاد منهم يذمون المحبوبات والملذوذات المنصرفة وإن لم تكن نهاية المقصود، لما فيها من شغل النفوس بها عما تحتاج إليه، ومن/ ألم الترك وغير ذلك، لكن الحال حال الكافرين بالمعاد، فإنه إذا لم يكن الموت ما يقصدونه ويرجونه كحال الذين لا يرجون لقاء الله، ويظن أحدهم أن لن يحور فهم يجعلون المنصرفات نهاية مقصودهم، وهؤلاء الذين قال الله فيهم: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥، ١٦]، وقال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ [النجم: ٢٩، ٣٠]، فهذا حال من لم يحقق الإيمان بالله واليوم الآخر فأعرض عن ذكر ربه والعمل لمعاده، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]، فاتباع هواه هو اتباع متاع الحياة الدنيا.
[٧٢أ]
وقد يُقال هذا معنى الأول والآخر، فالأول ليس قبله شيء، إذ هو خالق كل شيء، والآخر ليس بعده شيء، أي إليه يصير العباد وتنتهي الحركات، كما قال: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ٤٢]، أي: الغاية، لا يراد بذلك أن
معنى: الأول والآخر.