اتباع الشرائع على الجمهور، ويدَّعون أنهم أجلّ من ذلك، وهذا لما بهرهم من منفعة الشرائع وحاجة العباد إليها، ثم عموا مع ذلك عن حاجتهم هم بخصوصهم إليها، ووجود منفعتهم بكمالها فيها، فظنوا أنها لا تقوم بجميع مطالبهم وحاجاتهم ومصالحهم من العلم والعمل، فابتدعوا وبدلوا وحرفوا واعتدوا ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وإذا تبين أنه لا يقصد بالوجود العدم، كما لا يصدر الوجود عن العدم علم أنما يوجد في النفوس من الذات منصرفة لا يجوز أن تكون هي الغاية، كما أن ما فيها من قصد محدث لا يجوز أن يكون هو الخالق، وذلك إنما وجد ثم عدم من غير أن يترتب على (١) وجوده مقصود آخر كان وجوده ثم/ عدمه بمنزلة عدم وجوده، إذ قد بينا أن العدم لا يكون مقصوداً، وعلم القاصد بأن هذا يعدم بعد وجوده يمنعه أن يكون هو المقصود بالقصد الأول له، لأنه إذا علم أنه سيعدم، علم أنه حال عدمه لا يكون فيه ما يقصده، بل يكون بتلك الحال كحاله قبل وجوده، فلا يقصد أن يفعل ما يكون حاله بعد وجوده وعدمه كحاله قبل وجوده، إذ هذا أيضاً عبث وسفه، فكما أنه لا يقصد بالوجود العدم، فإذا علم أن الوجود يتعقبه العدم لم يقصده إذا كان حاله بعد عدمه كحاله، بعد وجوده، فإنه يكون قد قصد ما لا يفيد قصده فائدة، وإنما يقصد ذلك لأنه يحصل بوجوده مقصود يبقى بعد عدمه، فإذا كان المقصود يحصل بعد عدمه أمكن أن يقصد وجوده وإن عدم.
[٧١ب]
ويكون هذا الوجود مقصوداً بالقصد الثاني، والمقصود بالقصد الأول هو ما يبقى بعد العدم، وهذا أمر بيِّنٌ يجده
(١) في الأصل: ((عليه)).