الفقهاء، من يظن أن المقصود غير معتبر(١) في ذلك، فهذا مخالف لما اقتضته الشريعة والفطرة من كون الأعمال لا تكون إلا بالنيات، مع قول الشارع: (إنما الأعمال بالنيات)(٢)، وهي من أجمع الكلمات وأجلها وأعظمها قدراً.
وإما أن يكون هذا القصد من جاهل سفيه يقصد النقيضين ولا يشعر تناقضهما، فتناقض الآدميين في المقاصد والنيات كتناقضهم في الآراء والاعتقادات، كثيراً ما يريدون النقيضين في وقت أو وقتين.
وإذا تبين أنه لا يقصد بالوجود العدم، تبين بذلك دلالة القرآن على هذا المعنى في مثل قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا/ بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [ص: ٢٧]، وفي قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦]، وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٨، ٣٩]، وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥].
[٨٠ب]
وإن كان قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بقوله الحق، فهذا إشارة إلى شيء من السبب الفاعل، والآية أعم من هذا، فإن الباء باء السبب، والسبب يتناول الفاعل والغاية، فإن الغاية سبب فاعل للسبب الفاعل، ولهذا يُقال: جئت بسبب زيد، وبسبب تخليص هذا المال، وبسبب دفع هذا العدو، ونحو ذلك.
والحق يعم الحق المقصود، والحق الموجود، فالحق المقصود هو الغاية، وهو نقيض الباطل الذي في قوله ﷺ: (كل
(١) في الأصل: معتبرة.
(٢) تقدم تخريجه (١٢٠/١).